الصفحة 29 من 247

يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، لم يلتفت إليهم، لأنه ربما يرى القبعة عليهم، وهذا الفخفخة، وهذا المال، وهذا اللباس، تغويه الدنيا، فأعطاهم بقفاه، وهم يسألون عن مناسك الحج وهو يجيب، ثم قال سليمان لابنيه: قوما، فقاما فقال يا بني لا تنيا في طلب العلم، -اجتهدا- فإني -سبحان الله قال عبارة عظيمة- فإني لا أنسى -هذه يقولها سليمان وهو أمير المؤمنين- فإني لا أنسى ذلنا بين هذا العبد الأسود". انظر، لم يلتفت إليهم وقال هذا الأمير ما شاء الله ويجلس، لا، أعطاهم بقفاه وهم يسألون عن المناسك وهو يجيب، هكذا كان السلف."

فلذلك طالب العلم ينبغي له أن يلاطف شيخه في المسألة ويرفق به ويخاطبه بالسؤددي والتفدية ويديم الدعاء له، والتأدب معه، كما في الآثار التي سبقت، فهذا خير سبيل إلى بلوغ أغراضك أيها الطالب من شيخك وإلا لا تفلح أبدًا. قال المستظهر:"أدب السائل أنفع من الوسائل". هذه أيضًا قاعدة مهمة، ويقول وهب بن منبه وسليمان بن يسار -رحمها الله تعالى- قالا:"حسن المسألة نصف العلم، والرفق نصف العيش". -الرفق في المؤونة نصف العيش، وحسن السؤال نصف العلم. وقال هذا حتى عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-، ثم يقول والأدب خير وسيلة لاستدرار علم الأستاذ، كيف تستخرج علم الأستاذ؟ بالأدب، والأدب خير وسيلة لاستدرار علم الأستاذ.

وقال ابن جريج -رحمه الله تعالى- لم أستخرج الذي استخرجته من عطاء إلا برفقي به، فقالوا بأن ابن جريج كان يتأدب مع شيخه ومعلمه عطاء، وكان قد أخذ علمه، وقالوا بأنه شرب علمه كله، يعني لم يكتم عنه آية أو تفسير آية أو حديث أو قاعدة، فكان له إلمام كبير بعلم شيخه عطاء، وذلك بماذا؟ بأدبه مع عطاء. وحتى قال الأصمعي -رحمه الله-:"ولم أرى مثل الرفق في أمره، أخرج العذراء من خدرها، من يستعن بالرفق في أمره، قد يخرج الحية من جحرها". سبحان الله بالإحسان يقبض الإنسان، الرفق، بالتي هي أحسن وليس بالتي هي أخشن.

وقد سبق أن قلنا بأنه ليس من أخلاق المؤمن التملق والحسد إلا في طلب العلم. حتى قال محمد بن عبد الرحمن الطرائفي -رحمه الله تعالى-: حضرت بدِمَشق، يقال: دِمَشق، ودِمِشق، لكن دِمَشق أجود وأفضل، قال:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت