تتكلم بين يديه، وأنت تخالفه، فقال: هو أكبر مني سنًا. انظر هو أكبر مني سنًا، فلذلك قال: ليس منا من لم يجل كبيرنا ويرحم صغيرنا، ويعرف لعالمنا حقه.
وبعضهم قال بأن الأدب مأخوذ من المأدوبة، المأدوبة أي الدعوة إلى الطعام، وقال سمي بذلك لأنه يُدعى إليه. لأن الإسلام يدعوك إلى مكارم الأخلاق، والنبي -عليه الصلاة والسلام- يعني لما جاء هل كانت الأخلاق موجودة في الكفار؟ نعم كانت موجودة، ولكن النبي -صلى الله عليه وسلم- جاء ليكملها، وليتممها، (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) . ومن الأخلاق: الإحسان إلى الضيف، قِرى الضيف. ومن الأخلاق أيضًا الذب عن أعراض جيرانه، مع أنهم كانوا كفارًا فكان الواحد يقول إذا مرت جارته يعني لا يلتفت إليها صونًا لعرض جارته، وكان الواحد عنده مثلًا نافذة لا يفتحها حتى لا ينظر إلى عورة جاره، أما إذا سافر ولم يكن هناك يحفظ عرضه إلى أن يرجع، مع أنهم كفار! هذه الأخلاق كانت معروفة لديهم، وكان فيهم شجاعة، وفيهم بسالة، وفيم كرمًا، وفيهم وفيهم، فإذًا هذه كلها من مكارم الأخلاق، فجاء الإسلام ليكملها، ويهذبها، ويتممها، ولذلك قال -صلى الله عليه وسلم- إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق. لذلك أنا أنصح أيضًا بقراءة كتاب الجامع للخطيب البغدادي، هو كتاب جامع في مسألة الأخلاق. وفعلًا هو الاسم وافق المسمى: الجامع.
فيقول فيه:"والواجب أن يكون طلبة الحديث أكمل الناس أدبًا، وأشد الخلق تواضعًا، وأعظمهم نزاهة، وتدينًا، وأقلهم طيشًا وغضبًا، لدوام قرع أسماعهم بالأخبار المشتملة على محاسن الأخلاق -يعني محاسن أخلاق رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-، وآدابه، -دائمًا يسمعون آداب النبي -صلى الله عليه وسلم- وسيرة السلف الأخيار- السلف الصالح، من أهل بيته وأصحابه، وطرائق المحدثين، ومآثر الماضين، فيأخذ بأجملها وأحسنها، ويصدف عن أرذلها وأدونها -يعني التي في الدون-".ما دام هو يعيش مع أنفاس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأنفاس السلف الصالح فينبغي دائمًا أن يتمثل ويكون الرسول -صلى الله عليه وسلم- أسوته وقدوته.
حتى قال ابن شهاب -رحمه الله تعالى- إن هذا العلم أدب الله الذي أدب به نبيه محمد -صلى الله عليه وسلم-، وأدب النبي -صلى الله عليه وسلم- أمته، أمانة الله إلى رسوله ليؤديه على ما أُدي إليه -أداه إليه جبريل-