فمن سمع علمًا فليجعله أمامه حجة فيما بينه وبين الله، إما حجة له وإما حجة عليه. لذلك كان بعض السلف يتعلم آية أو حديث، فينظر إذا عمل به زاد، وإذا لم يعمل به، يقول الحجة تكون أقل، حتى لا أقيم عليَّ حجة عظيمة، لأن القرآن، كل الناس يغدوا -القرآن حجة لك أو عليك-، كل الناس يغدوا فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها -مهلكها، فكذلك كان السلف -رضوان الله تعالى عليهم- فكانوا إذا أخذوا نوعًا من العلم ينظرون، هل يتمثلون ما يقول، هل يقفون عند معانيه، هل يقفون ويمتثلون، ويعملون بما تعلموا أم لا. هتف العلم بالعمل فإن أجابه وإلا ارتحل، كما قال علي بن أبي طالب وإن كان الأثر فيه مقال، ومع ذلك فالأثر مهم جدًا، والمعنى صحيح.
وهذا سفيان بن عيينة -رحمه الله تعالى- كان يقول: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم وعلى آله وصحبه- هو الميزان الأكبر، الرسول هو الميزان الأكبر، فعليه تعرض الأشياء، على خلقه وسيرته، وهديه، فما وافقها فهو الحق، وما خالفها فهو الباطل. -إذًا لماذا هدي الرسول -صلى الله عليه وسلم-، هدي الشخص، يعني هدي الرجل هي سيرته العامة، وسيرته الخاصة، هذا هو الهدي، أنت تسمع الهدي، يعني الأخلاق أيضًا داخلة في الهدي، ولذلك كان خير الهدي: هدي محمد -صلى الله عليه وعلى آله وصحبه-، فقد كان السلف الصالح يرمقون من كان يصلي أمامهم أو من كان أولى الناس وأقومهم بهديه -صلى الله عليه وسلم- فكانوا ينظرون إلى الصحابة كيف يصلون، كيف يتوضؤون، كيف يصومون، والصحابة ينظرون إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحينئذ يرتضونه أسوة، فإذا كان يحسن الصلاة، ويحسن الوضوء، ويحسن، يقتدون به، يجعلونه قدوة، يرتضونه أسوة وقدوة. وينتفعون بلحظه، وينتفعون بلفظه، وينتفعون أيضًا ويصدرون عن خلقه وسلوكه، وهديه، وأدبه، وعبادته، وتواضعه، وسيرته، هكذا كانوا. يلاحظون ليأخذوا منه وينتفعوا منه، ليبلغوا عنه، فإذًا كان النبي -صلى الله عليه وسلم- هو الميزان الأكبر، وكذلك كان السلف -رضي الله تعالى عنهم-.
حتى قال ابن وهب -رحمه الله تعالى- سمعت مالكًا -وابن وهب هذا له قصة مع الإمام مالك عظيمة جدًا، وكان يقول هذا الرجل أحكم وأعلم الأمة، يسميه حكيم الأمة، وذلك أن مرة قصة وقعت في زمن الإمام مالك، ابن وهب مع الإمام مالك، لما كان مع الإمام مالك وإذا بخبر انتشر في المدينة أن فيلًا قدم إلى المدينة، قالوا بأن الفيل قدم إلى المدينة، والفيل غير معروف في المدينة، فالطلبة كلهم ذهبوا لينظروا إلى الفيل، لأول مرة يرون