بأبواب الأدب، فإذا تعلموا الأدب تعلموا العلم، أما إذا سبق العلم فلربما يطغى العلم عليه فيبدأ بماذا؟ يبدأ بالقصب، والطعن، والتفسيق، والتبديع، والتكفير والعياذ بالله، ويصبح عنده مسألة الجرح والتعديل تصبح الجرح والتجريح، وهذا الذي نراه الآن في عصرنا للأسف الشديد.
يعني أصبح ناس ما أظن أنهم يتقنون بابًا من أبواب العلم، بمجرد أن قرأ صحيفة أو قرأ كتابًا أو رسالة جيبية مختصرة إلا ويصدر أحكامًا على شيوخ أفنوا حياتهم وعمرهم في العلم، وفي نشر العلم، ونشر دين الله -سبحانه وتعالى-، ولربما هذا العالم كان يبلغ شرع الله، ويرفع الجهل عن عباد الله، وهو في صلب أبيه، أما الآن يعني بعد أن توفي هذا العالم يقول هذا فلان مبتدع، وهذا فلان يداهن، وهذا فلان كذا، للأسف الشديد.
فلهذا السلف كانوا يوصون أبنائهم أن يبدؤوا بأبواب الادب، فلذلك قالوا نحن أحوج إلى أبواب الأدب منا إلى كثير من الحديث، حتى قال الإمام الشافعي، -الشافعي -رحمه الله تعالى- وهو كما سبق البارحة أنه كيف كان يتأدب مع شيوخه، سألوه كيف شهوتك للأدب؟، يعني كيف تشتهي الأدب، فقال: أسمع بالحرف -يعني بالكلمة- أسمع بالحرف منه مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا، -يتمنى لو كانت الأعضاء هذه لها أسماع- فتنعم به. يسمع بالحرف، الحرف الواحد يسمع به، فيتمنى أن أعضائه كلها لها آذان تسمع لتنعم به. وقيل له: وكيف طلبك له؟، يعني للأدب، فقال: طلب المرأة المضلة ولدها وليس لها غيره. سبحان الله مثال رائع، امرأة لها ولد واحد وضاع منها، كيف تطلبه إذًا؟ لا تترك شاردة ولا واردة ولا مكان إلا وبحثت عنه، بحثًا حثيثًا، فكذلك هو، يعني هذا التشبيه الرائع، يعني يجتهد غاية الاجتهاد ليبحث على باب من أبواب الأدب، وليبحث على عالم من علماء الأدب ليأخذ منه. حتى قال ابن أبي حاتم: سمعت المزني -المزني هذا شافعي، وهذا من الناس الذين خدموا مذهب الإمام الشافعي -رحمه الله تعالى- هذا والإمام النووي، والبيهقي، خدموا المذهب خدمة جيدة-، قال المزني: قيل للشافعي -رحمه الله تعالى- كيف شهوتك للعلم -هذه رواية أخرى، كيف شهوتك للأدب هذه الرواية السابقة، أما الآن قيل له: كيف شهوتك للعلم؟، يعني كيف تشتهي العلم، قال: أسمع بالحرف -قلنا المراد بالحرف يعني الكلمة-، أسمع بالكلمة- مما لم أسمعه، فتود أعضائي أن لها أسماعًا تنعم به مثل ما تنعمت به الأذنان. وهذا سبحان الله موجود، وحتى الآن يعني إذا كان إنسان يطلب العلم، ولا طالب علم محروم كما سبق أن قلنا، ولكن منهومان لا يشبعان: طالب علم، وطالب دنيا. والأثر صحيح. فقل