الصفحة 58 من 247

إلى المصالح، وينظر إلى دفع المفاسد، الكبير يكون له كعب عالي يعني له تجربة، ويستعمل الرأي، والصغير ربما ينبغي أو يحب أن يستعمل الشجاعة والقوة:

والرّأيُ قَبلَ شَجاعةِ الشّجْعانِ ======= هي أولُ وهي في الدرجة الثاني

هذا بيت مهم. الرأي قبل شجاعة الشجعان، يعني دائمًا قدم الرأي، قدم الحكمة، قدم الرفق، قدم اللين، وينبغي أن تحاول ما أمكن أن تلتمس له سبعين ألف عذر، وينبغي أيضًا أن تحترم من سبقك في العلم، ومن سبقك في الالتزام، كما قال العباس يا رسول الله إن أبا سفيان رجل يحب الفخر. فإذا سبقك في الإسلام احترمه وتأدب، ولربما له التجربة عليك، ولربما أراد هو أن يقدم الحكمة على السرعة والرأي، فإذًا التأني أفضل، والرفق أفضل، فلذلك قال الرأي شجاعة الشجعان، هي أول وهي في الدرجة الثاني، يعني الرأي أولًا وفي الدرجة الثانية الشجاعة. فيقول الحافظ ابن حجر فيما أذكر أنه قال في الفتح بعد أن ذكر قصة الحديبية، قال لأن الكبير قد يرى ما لا يراه الصغير، ولذلك الله -عزَّ وجلَّ- قال للنبي -عليه الصلاة والسلام-: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} ، ولكن قال له بعد ذلك: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ، لأن لربما يرى النبي -صلى الله عليه وسلم- ما لا يراه غيره، وفي أحد النبي -صلى الله عليه وسلم- قال أرى ألا نخرج، يعني نبقى في المدينة، فقالوا يا رسول الله لا نخرج وكذا، فلبس لائمته، لبس سلاح الحرب، في أحد، فقال النبي -عليه الصلاة والسلام- لما قالوا يا رسول الله لعلنا كذا، ولعل، قال لهم: لا، ما ينبغي للنبي إذا لبس لباس الحرب أن ينزعه، فكان كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في تأويل الرؤية التي رأوا، والقصة معروفة، فالسلف استنبطوا من هذا أن الكبير قد يرى ما لا يراه الصغير. وليس الصغر في السن، وإنما في العلم والتجربة، وأيضًا في الاطلاع، ويعرف كيف يقدم المصلحة، وكيف يدفع المفسدة. فلذلك ينبغي أن نحترمهم، ونلتمس لهم الأعذار، وأيضًا ينبغي أن نختار أطايب الكلام كما نختار أطايب الطعام، جمال اللفظ، ينبغي أن يكون جمال اللفظ، يعني اللفظ يكون مختارًا، حتى إذا استعمل من لفظة السيء، فنضيع أكثر مما نصلح، حتى ولو كان الحق معنا.

لذلك قال عمر ابن الخطاب -رضي الله عنه- في مثل هذه القضايا: أن يختار أطايب الكلام، كما يختار أطايب الطعام، ولذلك سماها العلماء: جمال اللفظ. ثم أيضًا وأين نحن من الاستغفار، أين من الاستغفار للذين

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت