فأقدمهم سنًا، ولذلك كأن النبي -صلى الله عليه وسلم- رأى أنهم في العلم سواء فلذلك قال: فليؤمكم أكبركم. وفي رواية للبخاري أيضًا: قال: وصلوا كما رأيتموني أصلي. والرؤية هنا علمية، لكن بالنسبة لنا الرؤية بصرية أم علمية؟ بالنسبة لنا علمية، وبالنسبة لهم بصرية. نحن سبق أن قلنا في دروس دورة الأصول، وأيضًا في دروس دورة النحو قلنا بأن الرؤية تنقسم إلى أقسام: رؤية علمية، ورؤية حلمية، ورؤية بصرية، ورؤية جزائية، ورؤية مذهبية.
إذًا هذه من جهة أنواع الرؤى، فإذا كنت تشاهد شخصًا فهذه رؤية بصرية، وأما إذا كنت لم تشاهده ولكن فيه كلمة رأى فالمراد بالرؤية: علمية، يعني الصحابة الذين شاهدوا صلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- فالرؤية بصرية، لكن نحن عندما نقرأ: صلوا كما رأيتموني، ما المراد بالرؤية؟ علمية. وحتى قول النبي -صلى الله عليه وسلم- لما صلى بالصحابة، وصلى على المنبر وإذا أراد أن يركع ركع على المنبر، لكن لما أراد أن يسجد نزل إلى الأرض وسجد، وقال: إنما فعلت هذا لتأتموا بي، والحديث في صحيح البخاري، فالرؤية هنا بالنسبة لنا نحن: علمية، وبالنسبة للصحابة: بصرية. ولذلك قال النبي -صلى الله عليه وسلم- في رواية أخرى من حديث ابن مسعود قال: (يؤم القوم أقرأهم لكتاب الله) ، واختلفوا في الأقرأ، قيل المراد بالأقرأ هو: الأجود قراءة، وقيل الأقرأ يطلق على الأحفظ، وهذا هو الراجح، والحنابلة قالوا الأقرأ يعني الأتقن، وصاحب الصوت الحسن.
(فإن كانوا في القراءة سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم سِنًا) ، وفي رواية: سُننًا. ولذلك ماذا يُستفاد من هذا الحديث، نحن نتكلم الآن عن الأدب مع علاقة الصلاة؟ علاقة الصلاة أن الأئمة لما شرحوا هذه الأحاديث وقفوا وقفة عجيبة وغالبًا ما ترون أن مثل هذه الأحاديث يأخذ الأئمة منها فوائد ويجعلونها تراجم. ومن ذلك البخاري، يعقد تراجمه، ويؤخذها من لب الحديث، ومن فقه الحديث، حتى قالوا: فقه البخاري يؤخذ من تراجمه، يعني في تبويبه، وحتى قال بعض شيوخنا -مبالغة- قال: تراجم البخاري كلها بكرًا لم يفتضها أحد. وهناك من اعتنى بشرح تراجم البخاري، وأذكر أن الإمام ابن علان في (دليل الفالحين) ذكر عند قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: فليؤمهم أكبرهم سنًا، أو فليؤمكم أكبركم سنًا، إما فليؤمهم روايتان، قال لماذا قال أكبرهم سنًا، -لاحظوا الدقة في الاستنباط، وما يفيده الحديث، وما يُستخرج. ولهذا ما يفيد الحديث وما يُستخرج منه يسمى علم الحديث دراية، وإن كان بعضهم يقول العكس علم الحديث رواية، لأنه عندنا علم الحديث ينقسم إلى قسمين: علم الحديث رواية، ودراية. الدراية هي معاني الحديث، والرواية يعني