أما الذي يحفظ القرآن يحمله فقط نقول هذا حامل. الحامل فقط يعني قد يعمل وقد لا يعمل، ولذلك قالوا كما قال الله -عزَّ وجلَّ- يعني الذي يحمل القرآن ولا يعمل به ولا يقف عند حدوده ولا يمتثل أوامره ولا يجتنب نواهيه قالوا ينطبق عليه قوله تعالى: {كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا} ، أسفارًا يعني كتب، وكما قال أيضًا في الذي يسمع الموعظة ويفر ولا يستمع: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ} ، حمر يعني جمع حمار، كالحمر الوحشية، القسورة هي الأسد، يعني حمر وحشية رأت الأسد ففرت منه. وقال أيضًا في العلماء الذين يبلغون للناس وينسون أنفسهم كمثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها، الفتيلة تعطيك الفائدة، كالإبرة، الإبرة تستر غيرها وهي عريانة، إن أناسًا مثل هؤلاء كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه، كمثل الفتيلة تضيء للناس وتحرق نفسها. والحديث الذي فيه الثلاثة الذين تسعر بهم النار حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، أول الناس يقضى عليه يوم القيامة رجل استشهد فأتي به فعرفه نعمه فعرفها وكذلك حامل لكتاب الله -عزَّ وجلَّ- والعالم، وكذلك الغني، يعني يساقون إلى النار على وجوهم، قال ما عملت بها؟ قال يا رب قاتلت فيك حتى استشهدت فيُقال له كذبت، تقول له الملائكة في رواية كذبت، ولكنك قاتلت لأن يقال جريء فقد قيل ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، وهكذا في العالم والقارئ وهكذا حتى في الغني، ثم يُجاء برجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقطار بطنه، فيجتمع إليه أهل النار فيقولوا يا فلان مالك؟ ألم تكن تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر؟ فيقول: بلى كنت آمر بالمعروف ولا آتيه، وأنهى عن المنكر وآتيه. وأن من تعلم على يديه والتزم سيطلع يوم القيامة عليه ويراه في النار، فيقول مالك؟ نحن ما دخلنا الجنة إلا مما تعلمنا عنه. فهذا العالم شبه الله -عزَّ وجلَّ- تشبيه رائع أيضًا، وهذا الموضوع سنرجع إليه -إن شاء الله-.
{أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ} أي أتطالب الناس بالحقائق والمعاني، وأنتم تخالفونها عن رواسم معانيها، {لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (2) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} ، {وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلَاحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ} ، حتى أن رجلًا جاء إلى عبد الله بن عباس فقال لابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف وأن أنهى عن المنكر، قال أوقد بلغت ذلك؟ قال أرجو، قال إن أحكمت ثلاثة أحرف فافعل، قال وما هن؟ قال: قول الله -عزَّ وجلَّ-: أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ