فهرس الكتاب
كان مما ذُكر عن الشيخ عبد الرزاق عفيفي -رحمه الله تعالى- وقوة إدراكه للكتب أنه كان يُسأل من بعض تلاميذه: أين نجد هذا الكلام؟ -وذلك لكلام يقوله لهم في الدرس-، فيقول لهم: هذا في الكتاب المقرر عليكم، ثم يريهم الموطن، فيتعجبون كيف أدرك هذه المعاني، مع أنهم اشتركوا في نفس النص.
ومن طرق تعميق القراءة هو الكتابة؛ أي كتابة الأبحاث العلمية لا لنشرها كما يسارع البعض إلى ذلك، ولكن للوصول إلى نتائج لك تُشكِّل رؤيتك لقضايا علمية كثيرة وللحياة، وقد تبدو لك بعض القضايا منتهية ومفروغًا منها، فإن درستها وتعمقت فيها قد يتغير رأيك، وإن لم يحدث ذلك فإن رؤيتك تصبح أشمل وأعمق، وستكتشف أن كل بحث أفادك في قضايا أخرى ربما فقهتها على وجهها وربما نشأ حولها أسئلة دفعتك لدراسة أخرى.
في كتابة الأبحاث العلمية تكتشف خبايا الكتب ومواطن المسائل ومذاهب أصحابها، ولكن لأدلك على أفضل طريقة لكتابة الأبحاث من خلال نموذجين أذكرهما الآن:
1 -كتاب الشيخ صالح العلي (دفاع عن أبي هريرة) ؛ هذا الكتاب عندما قرأته لم يأتِ على ذهني إلا قضية واحدة، وهي أني قلت:"إن لم يكن من فضل لصاحبه إلا أن يأتي يوم القيامة مع أبي هريرة لدفاعه عنه لكفى"، فهو كتاب لا مثيل له في الدفاع أمير المؤمنين في الحديث أبي هريرة، هذا الأمير -علمًا وعملًا- الذي أبغضه الكافرون والزنادقة والمنافقون كان دومًا بوابة خير للدراسة والعلم والبحث، وللدفاع عنه نشأت كتب هي في القلل من العلم ككتاب الدكتور مصطفى سباعي (السنة النبوية ومكانتها في التشريع) ، وكتاب الشيخ عبد الرحمن العلي في الرد على محمود أبي رية وكتب أخرى، لكن كتاب الشيخ العلي ليس له مثيل في هذه الحرب الرائعة.
والشيخ العلي هو عينه"محمد أحمد الراشد" [1] والذي كتب تحت هذا الاسم مجموعة كتب رائعة في أهدافها وعلومها كـ (العوائق) و (المنطلق) .
ماذا صنع الشيخ حتى كتب كتابه الرائع (دفاع عن أبي هريرة) ؟
قام الشيخ بقراءة كل كتب السنة المطبوعة وقتها، وكل كتب السيرة، وكل كتب الرجال، وكتب الطبقات والتاريخ وحيث وجد ذكرًا لأبي هريرة وما يتصل به أثبته وحفظه.
بهذه الطريقة العلمية العميقة كتب كتابه، فلم يعتمد على فهرست أو على إحالة، بل قرأ الكتب قراءة كاملة، فأفاد نفسه والآخرين.
(1) لم أذكر هذا إلا بعد أن انتشر هذا الأمر، وإلا فالواجب احترام إرادته، فإنه ولا بد كان له مقصد في إخفاء اسمه.