فهرس الكتاب
اتصل بي شاب تقي -نحسبه والله حسيبه- وفوجئت به يخبرني أن والده يُنكر السنة النبوية الشريفة، فطلبت منه أن يرتب لي حوارًا معه، فقال لي: لو اطلعت على كتبه أولًا، فوافقت، وأرسلها لي، ثلاثة كتب ضخمة، بل ضخمة جدًا، فقرأتها ولم أجد فيها جديدًا، بل كلام مكرر يدل على أن صاحبها لا يعرف شيئًا عن السنة، لكنني أحسست أنها كتب أُلقيت إلقاءً ثم كُتبت، وقد أخبرته بهذا، فقال الشاب: ولهذا أرسلتها لك، فإن والدي -الثري وضابط الشرطة القديم- يكتب كيفما اتفق، كلامًا هراءً ويرسله إلى أساتذة جامعيين، وبأمواله لهم يقومون بكتابتها من جديد، ثم تُنشر باسمه، فوالدي لا يستطيع أن يحاور ولا أن يشرح ما في كتبه. قال لي هذا متأسفًا مع أن والده أهدى كتبه كما في المقدمة إلى هذا الولد الخجل من والده الكذاب! [1]
لذلك قلت مرة إن من فوائد الفضائيات اليوم أن عرّت لنا الكثير من الأسماء التي كانت تتخفى وراء كتبها المسروقة أو المصنوعة والمنحولة.
من يقرأ كتاب محمد شحرور (القرآن والكتاب) ويراه يعرض نظرية الترادف والتباين في اللغة يظن أن الرجل هو ابن هشام هذا العصر، وحين تسمعه توقن أنك أمام رجل لا يفرِّق بين الألف وكوز الذرة -كما يقول أهلنا في مصر-.
ثم بعد ذلك إن الكتب العميقة هي التي يجلس الناس لدراستها، ويحرص العلماء على كشف علمها وغوامضها ودررها، وإذا كان من فقه العرب أنهم كانوا يسمون الأشياء العظيمة بأسماء متعددة، فكثرة الأسماء تدل على فضل المسمى أو ولعهم به؛ كالسيف والأسد والخمر والمحبة، فكذلك كثرة الشُّراح ومجالس شرحه تدل على فضل الكتاب وقيمته، ولذلك كان من أماني الخطيب البغدادي أن يجلس لقراءة كتابه في بغداد ويسمعه الناس منه -أي كتاب (تاريخ بغداد) - وقد حصل له هذا الفضل.
ولأهمية قراءة الكتب على أهلها أو المتخصصين فإن القراءة الجماعية تفتح آفاقًا للعقل لا يعرفها بالصمت، بل إن الصمت يُنيم العقل كما قال أحد الخلفاء، والحوار والعطاء ينمّيانه؛ ولذلك لا ينمو العلم في شيء كما ينمو بالعطاء، ولقد جربت هذا من نفسي فإن قراءة الكتب على إخواني كانت تفتح عليّ آفاقًا لا أعرفها من نفسي، فكنت أشكر لهم تعلمهم وهو في الحقيقة تعليم لي. بل إن أعظم ما ينتجه الإنسان ينتجه من خلال الحوار؛ سماعًا ومشاركة للكتب. وحين لا يجد المرء مقدمًا في علم فيمكن له مع إخوة على نهمته أن يتفقوا على قراءة كتاب ثم يجتمعون لمناقشته وقراءته جماعيًا والبحث فيه، وسيجد المرء بهذه التجربة ترقيًا لفكره وفكر إخوانه، وأن قراءتهم للكتب الأخرى ستصبح أكثر وعيًا وعمقًا.
(1) لم أذكر اسم الكاتب احترامًا لهذا الصديق، فأنا ذكرت قصته فقط لا الكتب، وقد أخبرني أنه لم يُبَع من كتب أبيه إلا أقل من عشرة كتب، ولذلك هو حاقد على محمد شحرور الذي سرق أفكاره وانتشر منفردًا عنه!