فهرس الكتاب
هذا النص الآخر الذي يصنعه النص المُنجَز، وهذا النص المختبئ عزةً وامتناعًا لا يمكن الوصول إليهما إلا من خلال الحوار مع الكاتب إن قدرت وإلا مع قرينه الحاضر، وهذه طريقة السلف الأقدمين وما زالت إلى يومنا هذا مع أهل حكمة الكتابة والقراءة.
يحيى حقي صاحب القنديل؛ (قنديل أم هاشم) اعترف أن الجلوس مع الشيخ محمود شاكر فجّر عنده تذوق اللغة وأسرارها. وكذا اعترف إحسان عباس صاحب (غربة الراعي) ، وهذان مع شأنهما المعروف في الأدب لكن رحلة الرُّقي لا تتوقف.
كانت القراءة على الشيوخ شرطًا تجيز لك رواية الكتاب، وربما يبدو للوهلة الأولى أن سبب ذلك يعود فقط للتوثيق؛ أي توثيق نسبة الكتاب لصاحبه، وهو سبب صحيح، ولكنّ هذا الشرط يُحقِّق فوائد أعمق من هذا السبب منها:
-يُلاحَظ أنّ الكتاب بين يدي كاتبه يتشكّل مرات متعددة بعد كل قراءة وعرضة، فالكاتب نفسه يكتشف فوائد جديدة تستدعي الزيادة أو النقصان أو التبديل؛ لأن القراءة أشبه بالاختبار، وأي فعل إنساني عُرضة للمراجعة، والكتاب كالإنسان؛ أي أنّ عامل الزمن جزء منه، والفارق أن الكتاب الجيد يستمد من الزمن قوة بخلاف السيء فإن الزمن يُبليه ويهلكه؛ فإنه يبدأ"كتابًا أخضرًا"ثم يبهت حتى يصبح"أصفرًا"، فالقراءة لا تفيد القارئ المتلقي فقط لكن تفيد الواضع نفسه.
-أن القراءة اختبار لأثر الكتاب على الإنسان، إذ تحصل كثير من القراءات بع زمن من انتشار الكتاب بين الناس، وخلال القراءة يتم مناقشة هذه الآثار وأعراضها مما ينتج نصوصًا أخرى رديفة، ومحاورة سواء من الكاتب نفسه أو من غيره من أهل الفكر والنظر، ومن أمثلة ذلك ما وقع لكتب سيد قطب من مراجعات حولها في زمنه، وما زالت إلى الآن تنشئ الأسئلة، ولو كان الوضع سليمًا وفي ظروف صحية وموضوعية لأبان كثيرًا عن مقصوده، ولذلك يُقال أنه طلب من رفيقه في السجن الأستاذ عبد المجيد الشاذلي أن يشرح أفكاره شرحًا أصوليًا، فكان كتاب (حد الإسلام وحقيقة الإيمان) ، مع أن هذا الكتاب لا يستطيع أحد أن يقول إنه شرح لما يريده سيد، بل هو نص آخر يحتاج إلى نصوص أخرى.
وكذلك ما نشأ من جدل حول دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والتي احتاجت إلى عشرات الكتب لتشرح دعوته وكتبه، خاصة حين تُرى بعض الأفهام المنكسرة عن خط الفهم الأول، فكما قيل إن الفكر الواحد يتأثر ويتعدد بحسب العقول الوارد عليها، كما ينكسر الضوء خلال انتقاله من بيئة إلى أخرى.
-إن جلوس صاحب الكتاب لرواية الكتاب أولًا هو إعطاء الثقة لهذا الكتاب ولهذا الكاتب؛ ذلك لأنه لا يتستَّر وراء كلام مسروق أو مصنوع من غيره، كما يحصل هذه الأيام من قِبل الكثيرين.