فهرس الكتاب
كما كان الأوائل يحرصون على إيصال علومهم عن طريق الحوار بين المختلفين؛ فالجاحظ ألَّف كتابه (الحيوان) مبتدئًا المناظرة فيما هو الأفضل"الكلب أم الديك"؟ وفي كتابه (البيان والتبيين) مناظرة في فضل العصا، وابن القيم يعتمد هذا كثيرًا في كتبه كما في (إعلام الموقعين) في مبحث المختلفين في القياس، وفي (روضة المحبين) حيث ذكر مناظرة بين القلب والعين، وفي (طريق الهجرتين) في مناظرة بين الغني الشاكر والفقير الصابر، وهذا أمر كثير في كتبه.
ومما ينبغي التنبيه عليه أنه بعد رحلة طويلة لك مع القراءة ستكتشف أن أفضل طريقة للقراءة هو أن تقرأ كل الكتب بطريقة سجالية، فما من كتاب إلا وفيه رد وجدل واستدراك ونكت على غيره، وستكتشف أن قيمة الكتاب هو بمقدار تحقق لك فيه؛ لأن هذه القضايا هي روح الكتب وحياتها ومصدر قوتها وألقها، وإن خلا الكتاب منها فهو كتاب جامد لا حياة فيه، وكفى للتدليل على هذا الأمر كتاب الله تعالى؛ فإنه كتاب الجدل المهتدي بحق إن فقهناه بحقه.
ومن قرأ الكتب بهذه العين تحصَّل على حقيقة القراءة الناقدة بكل معانيها، حتى كتب الحديث وروايته؛ فإن المصنفين فيه كانوا يستحضرون المخالف في كتبهم، فابن تيمية يرى أن الإمام مالك أنشأ كتابه ترتيبًا وتبويبًا ردًا على أهل الرأي، ومن نظر في أبواب البخاري رأى أن الكثير منها في الرد عليهم، ومحمد بن الحسن الشيباني يسمع أن أهل الشام يتهمون أهل العراق أن لا بصر لهم بالسِّير فينشط لكتابة (السير الكبير) ويعقبه بكتاب (الرد على سير الأوزاعي) .
وهذا في تصنيف من بعدهم أظهر وأوضح، فإذا كانت كتب الرواية هذا نَفَسها فما بالك بغيرها؟!
ومن طرق تعميق القراءة هو قراءة الكتب على أهل فنِّها، فإن قرأت على كاتبيها فهو الأصل وإلا على أهل البصر بفنها وعلومها.
اعلم أنه ما من نص إلا ويصنع آخرًا، وما من نص يكتبه كاتب إلا وهو يرى أن في نفسه نصًا مستورًا لم يستطع الإبانة عنه؛ فهذا الشافعي -وهو من هو في فن الإبانة عن نفسه- يعترف أنه بقي في نفسه معانٍ لم يستطع الإبانة عنها، كما في كتابه (جِماع العلم) ، وهو ككل كتب الشافعي آية سِحر بيانيّ عميقة، فيه من فن المناظرة والاستدلال والحوار شيء عجيب، ولا يعدُّ المرء طالب علم إن لم يقرأ ويتذوق كتب الشافعي (الأم) و (الرسالة) و (جِماع العلم) و (اختلاف الحديث) .
ولذلك كثر قول القائلين:"وما لم أكتبه أحب إليّ"، وقد اشتهر قول القاضي الفاضل كاتب صلاح الدين في صراع الكاتب مع نصه لإصلاحه وتعديله والزيادة عليه، كما هو مُثبَت في الورقة الأولى من قِبل محقِّق (معجم الأدباء) ناسبًا النص للعماد الأصفهاني -وهو قرين القاضي الفاضل البياني- والصواب أن النص للقاضي.