الصفحة 96 من 171

الصليبية كما رآها العرب) ويدسّ فيها أصبع الشر هنا وهناك، مع أن كتابه هذا مسروق بالكلية -إلا من أسطر قليلة- من كتاب (الحروب الصليبية في المشرق) لسعيد أحمد البرجاوي، ومن لم يصدق فليقارن، وكتاب البرجاوي هذا كتاب رائع بحق، وهو قديم وأعجب من عدم انتشاره وهو من أوفى الكتب في هذا الباب، وهو مطبوع سنة 1984 ميلادية.

فذكر الدكتور الدسوقي أنه لما قدم بحثًا لأستاذه النشار عن مفهوم القضاء والقدر في القرآن والسنة؛ فوجئ أن هذا الأستاذ الكبير لا يعرف أن هذا المفهوم هو مفهوم قرآني؛ وأن السببية بمفهومها السنني هي حقيقة المفهوم القرآني، إذ كان يظن أن مذهب الجبر هو مفهومه، وكتاب الدكتور الدسوقي لو قيل لك: اذكر أفضل وأجلّ مائة كتاب كُتبت في القرن العشرين فلا تتردد في وصفه معها.

وقد ذكر لي طالب جامعي أن الدكتور عبد الرزاق السنهوري -وهو واضع دساتير بعض الدول العربية منها مصر والكويت- جُوبِه مرة في مدرج الجامعة بحكم شرعي يتعلق بمسألة ذُكرت لي وقتها ونسيتها، فما كان من السنهوري إلا الاستهجان أن يكون للإسلام كلام في ها الباب، مع أن السنهوري تغير بعد ذلك وصار يرى الإسلام"أحد"مراجع القانون الدولي والدستوري.

وممن اعترف بعدم معرفته شيئًا عن الإسلام ولم يطلع على تراثه: زكي نجيب محمود كما في كتابه (تجديد الفكر العربي) ، وهو الذي يعده البعض الفيلسوف الوحيد المعاصر في العالم الإسلامي.

والأمثلة كثيرة جدًا خاصة هذه الأيام، والسهل والواد مليئان بحطب جهنم من"المضبوعين".

هناك كتب لا تُقرأ إلا مع ما كُتب حولها وعليها وإلا لكانت قراءتها ناقصة مبتورة، فكتب محمد عابد الجابري لا تُقرأ إلا مع رد الدكتور طه عبد الرحمن عليها، وكذلك ما كتبه جورج طرابيشي، وجورج هذا قارئ من الذروة قلما تجد مثله، وكتبه شاهدة على ذلك، وكل فقرة من كتبه تدل أن وراءها تنقيبًا وبحثًا واطلاعًا، سواءً على كتب التراث -حتى كأنه من أهله- أو على غيره، ومن نظر في كتاب (مذبحة التراث) يرى ذلك جليًّا مع صِغره، ومع أنه غير مسلم إلا أنه يعرض التراث بأمانة وصدق.

وكتب الشيخ زاهد الكوثري يحتاج القارئ معها لزامًا لكتاب (التنكيل لما في تأنيب الكوثري من الأباطيل) للشيخ عبد الرحمن المعلمي، وهذا كتاب لا أعتقد أن قارئًا يملّ منه لو قرأه عشرات المرات؛ فهو كتاب يُعلِّمك القراءة الصحيحة، ويكشف لك خدع الكاتبين، بشرط ألا تلتفت فقط إلى أفراد بحثه ولكن إلى منهج دراسته وكتابته، والشيخ المعلمي إمام يقال فيه بحق: كم ترك الأول للآخر؟! وفيه رائحة الأقدمين وعقلهم.

وهذان مثالان لباب تصنف فيه مجلدات، وهذه الكتب -الردود والجدل والاستدراك والنكت- لها ميزات لا تجدها في غيرها لعمقها واعتمادها على قواعد علمية ودراسات شمولية فاحرص عليها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت