الصفحة 95 من 171

إنما نشأ بسبب الحوار والخلاف والمراجعة، وفي هذا رد على من زعم سكون العقل الإنساني في تاريخنا وأنه عقل جامد، أو أن اعتماد الأمم على الدين الحق -الإسلام- يعطل العقل والنظر، فمثل هذه الأقوال إنما تصدر من قوم لا يعرفون عنه شيئًا، ولا تغرك الأسماء الكبيرة، فكم اعترف بعضهم أنه لا يعرف شيئًا عن تراثنا البتة.

ذكر الدكتور دسوقي صاحب كتاب (القضاء والقدر) وهو في ثلاثة أجزاء، إذ يقول بلفظ لا يمكن نسيانه:"وجهلي بالتراث العربي جهلًا كاد أن يكون تامًا"، وعزا هذه الفاقرة إلى طريقة التعليم وفساد المدارس التي لا تُعرِّف شيئًا عن مصادر القوة في أمتنا وتراثها.

وكتابه هذا حري أن يُقرأ، لتعرف الأمة كيف ينظر مثقفوها إلى تراثنا وأنه تراث خرافة ولا أكثر، بل ولترى هذا الاتهام الخطير للشخصية العربية أنها شخصية فصامية، وكأن الأيدلوجيا قاصرة على أمتنا. وكأن الغرب لا يعيش تراثه ودينه، هذه نظرة أقوام لا يعرفون فقط أمتهم ولكن كذلك لا يعرفون الغرب.

ومرة أخرى كتاب زكي بكل ما فيه يصلح دليلًا لحالتين خطيرتين: الأولى: عداء التراث والدعوة لبتره والانتهاء منه، والحالة الثانية: التّصالح مع التراث من أجل تحريفه تحت دعوى تجديده، ولعلّ الحالة الأولى قلَّ دعاتها تحت صمود الأمة وقيادة أئمتها من مفكرين وعلماء وثورة إحياء للتراث عن طريق طباعة الكثير منه، ولذلك اضطروا إلى"التصالح"لتحقيق الاختراق والتدمير، وهو مشروع زكي في الكتاب كما هو مشروع محمد أركون وحسن حنفي ومحمد الجابري، ومن قبلهم حسين مروة والهروي وكثيرون كثيرون، مجال عملهم التراث، ويزعمون"التصالح"معه واختيار القديم النافع لتحقيق التقدم و"التصالح"مع العصر، والعجيب أن هؤلاء كلهم يتفقون على"تفجير"اللغة كأساس اللحوق بالعصر.

رحم الله الرافعي الذي سمى معركة اللغة (تحت راية القرآن) .

حتى التيار القومي"الملحد"الذي أرسى دعائمه ساطع الحصري والذي لا يرى للدين أثرًا في تكوين"الأمة"تراجع اليوم ليقبل"الدين"باعتبار أصوله وقواعده لا نصوصه وتشريعاته، وقدَّم لهم"المفتون"الفتوى بالقبول والله يقول: {وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ} ، وإن طلبهم قديمًا كما قال تعالى: {بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ} لا كله، ولو أطاعهم لكانت العاقبة: {إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا} .

وقد يقول قائل: هل"المثقفون"اليوم على هذه الشاكلة؟

والجواب: بل هم اليوم أسوأ؛ فإن أمثال زكي نجيب محمود كان ينطلق من منطلقات عقلية بحتة قوامها الجهل بالأمة، لكن"لقطاء الفكر"هذه الأيام أُجراء عمالة، وهم يقرؤون التاريخ والتراث لخدمة خصوم الأمة، وبدعم منهم، فمن الذي يدعم ويرعى أمثال أمين معلوف ليكتب عن (الحروب

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت