فهرس الكتاب
في"الجدل"تقرأ النص وتقرأ الحوار معه، فتقرأ نقيضه أو متممه، لأن"الجدل والمناظرة"لا يعنيان فقط الرد والمخالفة، بل يشملان التنبيه والتوسيع والتقييد والاستدراك وبهذا الاطلاع تحصل على الأشمل والأصح.
إن العلم مراتب وأعظم مراتبه أن تعرف ما يخالفه وكيف ترد عليه، بل وكيف تقيمه من خلال أدلة خصمه، وهذا لا يأتي لك إلا من خلال تعلم الجدل والمناظرة والحوار، والبعض من"الصغار"يرون لبعض السلف الأجلاء روايات تنهي عن مناظرة أهل البدع والجلوس معهم، وهذه الأقوال يجب أن تُفهم من خلال ظرفها ولمن قيلت، وأما تعميمها فباطل، ولو افترضنا تعميمها فليس قائلوها بأجل ممن سلك غير هذا السبيل، فهل ينكر أحد مناظرة ابن عباس للخوارج وما نفع الله بها من هداية أكثرهم؟ أو مناظرة عمر بن عبد العزيز كذلك، ومناظرة الشافعي لحفص الفرد في عقيدته الكلامية ومئات غيرها، وأما المناظرات الكلامية فلا تكاد تُحصر؛ كمناظرة مالك لأبي يوسف ومناظرات الشافعي لمحمد بن الحسن الشيباني ومناظرات ابن مبارك لأبي حنيفة.
تاريخ عبق لجيّ بالحوار والمناظرة والجدل يدل على حياة ورح مستفزة لتجلية الحقيقة، واعلم أنك لست على يقين مما أنت عليه ما لم تعرف مقالة مخالفيك، فالمقلد ليس عالمًا، وبالتالي ليس هو مقصود خطابي هنا.
لقد كان من طريقة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صناعة الفقيه هو استفزاز المدارك العقلية في أصحابه -رضي الله عنهم-، كقوله عندما سئل عن القبلة للصائم فقال: (أرأيت إن تمضمض؟!) ؛ وهذه هي أفضل طريقة لتعلم الحوار والمراجعة وبناء قواعد العلم.
ولذلك أفضل طريقة لتعليم أي علم هو استفزاز الطالب لإدراك الحقائق فيه بنفسه، وهذا لا يمكن حصوله إلا بالسؤال الهادي- من الهداية وليس الهدوء- والموجِّه المستفِز.
ومن عجائب تاريخنا أن الرجل يُشهد له بالعلم والمعرفة إن تمكّن وجلس لحوار مخالفيه، ومن أشهر من عُرف في هذا الفن هو الإمام الشافعي؛ فله مناظرات كالأعاجيب مع مخالفيه ولذلك لُقِّب في بغداد بناصر السنة، والباقلاني لقب بالأستاذ والغزالي لقب بحجة الإسلام وابن فورك لقب كذلك بالأستاذ، وابن تيمية لقب بشيخ الإسلام، وابن حزم الذي قال عنه أبو العباس بن العريف:"لسان ابن حزم وسيف الحجاج قرينان"، ولهؤلاء وغيرهم مشاهد غنية تُعلّم سرعة البديهة والخاطر، واتساع المعرفة، ومن إدارة القول، والغوص في الدقائق الخفية، وكلها شروط واجبة لصنع الحوار الناجح الهادف.
وقديمًا قالوا:"وبضدها تتميز الأشياء"، وكذا لا يعرف قوة العلوم وثباتها إلا من خلال عرض المخالفة وبطريقة أمينة صحيحة، وقد اعترف ابن حزم كما في كتابه (مداواة النفوس) بفضل خصومه عليه، بل قال:"لولا وجودهم ما كتبت حرفًا"، وهذا حق؛ فإن أغلب ما كُتب في تاريخنا