الصفحة 93 من 171

النص النبوي المفيد لوجود الطائفة المنصورة فيه إفادة الدوام وعدم الانقطاع حيث يقول - صلى الله عليه وسلم: (لا تزال طائفة من أمتي قائمة على الحق) . وهؤلاء في محاولاتهم تحديد حقيقتها ضمن أفهامهم الخاصة أنها الخط الذي ينتظم واصلًا إلى ابن تيمية وابن القيم ثم إلى محمد بن عبد الوهاب ودعوته المباركة، وهؤلاء لا أتردد في أن ما يقولون عنهم صحيح، لكن: أين هي الطائفة المنصورة خلال ثلاثمئة عام أو أكثر بين السابق واللاحق؟ أين علماؤها؟ أين جهادها المذكور في الحديث؟ إن بحثت ستجد أن الطائفة المنصورة أعمق في دلالتها من هذا الحصر الذي يستنتجه هؤلاء"المغرضون"، وأن محاولة ربطها من خلال سمت معين غير صحيح، بل"لعل"ما يريدون جعله أصلًا إنما هو تاريخيًا البارحة واليوم واقعًا هو الفرع الذي لم يكتمل، ولأني أقول"لعل"؛ فليس مطلوبًا مني للشرح أكثر من ذلك.

إياك أن تقرأ علمًا بلا تاريخه، بل إياك أن تقرأ كتابًا بلا معرفة تاريخه؛ لأن تاريخ العلم وتاريخ الكتاب وتاريخ الحكمة وتاريخ الكلمة يوسِّع مداركك في فهمها ويضعها في مكانها الصحيح، فالأفكار لا ينتفع بها الإنسان من غير ترتيب وتنسيق بل ربما يكون ضررها أكثر أو خطؤها أقرب، وجزء مهم من ترتيب الأفكار والعلوم وهو ترتيبها زمنيًا مع وجود أنساق أخرى للترتيب تدرس وتعلم في مناهج البحث والدراسة.

-النوع الثالث من الكتب السجالية التي تعمق القراءة؛ هي كتب المناظرة والمراجعة والتعليق والنكت -النكتة هي المسألة العلمية-.

(إن من البيان لسحرًا) كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، واللغة عالم غريب، بل لو قلنا إنها أغرب عوالم الإنسان وأعجب ملكاته لكان قولنا صحيحًا، ولذلك هي"ذوات الوجوه"، والأفكار شيء يجل عن الوصف، وأداة حملها هي اللغة، وقد فقه الأوائل ارتباط اتساع اللفظ باتساع ملكة العقل وغريزته، كما قال الباقلاني في (دلائل الإعجاز) وكما هي عبارة ابن تيمية بالنص، وقد وصف الله كيد الكافرين بأنه يزيل الجبال: {وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ} ، وكان من مكرهم بحسب قول الله: {يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ} ؛ وهذا يدل على سطوة وقوة هذه الملكة؛ ملكة البيان، وليوسع المرء مداركه لا بد من الإصغاء إلى فنون الناس -أصحاب هذه الملكة- للإبحار معهم في عرض عقولهم وفي مصادمة عقول غيرهم، ليبصر الناظر بصرًا يرقّيه هو في إدراك وجوه الكلام ومعانيه ومزالقه وخفاياه، ووجوه الكلام هنا هي عينها مرايا العقول والأفكار والمدارك.

فالمناظرة فن راقٍ، بل هي من أرقى أنواع الخطاب، وقد كتب فيها الأقدمون أبحاثًا جليلة ووضعوا لها قواعد عديدة لتحقق المراد منها، ولسنا هنا بصدد الحديث عن هذا الفن وقواعده، لكن في بيان أهمية"الجدل"العلمي وقراءة أفراده لترقية القراءة الناقدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت