فهرس الكتاب
صحيحة شاملة ناقدة وبذلك يتحرر من أسار التقليد والتسليم والذي هو ضد النظر، ويتخلص من الرفض الكلي والذي هو ضد الموضوعية.
هذا الموقف ليس موقفًا تبريريًا؛ فإن الموقف التبريري قراءة سلبية لا تنتج خصوصية، وليس موقفًا تلفيقيًا؛ فإن الموقف التلفيقي ليس علميًا، بل ما نريده هو القراءة النقدية فحسب؛ لأنها القراءة العلمية الوحيدة.
قد يتصور البعض أن ما أقوله هنا من القراءة النقدية وعلاقتها بتاريخ العلوم لا دخل لها في القراءة الدينية؛ لأن مبنى القراءة الدينية على التسليم، ودور التسليم هو إدراك معنى النص لاعتقاده والعمل به، ولكن بإمعان النظر نكتشف الآتي:
أن كثيرًا من العقائد التي انتسبت لما يسمى مذهب السلف، إنما يقصد بها"السلف"النسبي وليس الأول كما ينبغي أن يكون، وقبل أن أضرب أمثلة على ذلك دعنا نعترف أن اعتقادنا -وهو اعتقاد صحيح- أن النص الشرعي هو الذي قدم لنا طريقة تفسيره عن طريق المثال، فالنص يفسر بيانيًا وعمليًا؛ فالبيان عربي، والعمل من خلال النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه -رضي الله عنهم-؛ فتفسير النص خاضع لفترة تاريخية لا يجوز لنا أن نوسعها لندخل فيها ما ليس منها مهما بلغت درجة تقديره واحترامه، وما بعد هذه الفترة يؤخذ منها ويرد.
أما الأمثلة فسأقتصر على مثالين:
أولاهما: انتشار القول أن مذهب السلف هو عدم جواز الخروج على حكّام الجور إلا إذا كفروا، والنقاش هنا ليس في ما هو القول الصحيح ولكن في تسمية هذا القول:"مذهب السلف"، أي تاريخيًا هو قولهم، وإن نشأت مذاهب أخرى فهي لغيرهم، يعني أن هذا قول الصحابة -رضي الله عنهم-. وبمعرفة تاريخ هذا القول يتبين التالي:
-في كتاب (الفِصَل في الملل والنِّحَل) لابن حزم يكتشف القارئ أن عددًا كبيرًا من الصحابة على غير هذا المذهب قولًا وعملًا.
-يعترف ابن حجر العسقلاني أن هذا المذهب قوي وانتشر بعد حادثة عبد الرحمن بن الأشعث وخروجه على الأمويين الذي انتهى بقضاء الحجاج عليه، فالحادثة نُشرت وأُيدت، وأما قبلها فالاختلاف موجود.
التاريخ هو الذي جعلك خارج إطار التقليد والتسليم.
ثانيهما: تعيين الطائفة المنصورة الواردة في الحديث، فإن البعض يربطها من خلال خط تاريخي معين ينتهي إلى ما يريد منه أشخاص أو جماعة أو دولة.