فهرس الكتاب
تاريخ الإسلام؛ فإنه لا يمكن للمرء أن يحكم على هذه الفرق أو أن يعرفها على حقيقتها إلا بمعرفة تاريخها.
الفرق العقدية في الإسلام طائفة مختارة رضيت مرجعية التفسير اللغوي للنص القرآني، وهذه المرجعية صحيحة ولاشك، لأن القرآن"كلام"، فهو خاضع لأصول هذا الكلام، وهو عربي، فمرجعيته الذهنية العربية، أي يُفسَّر من خلال كلام العرب وأفهامهم كما أجمع على ذلك كل الفرق المتباينة والمتقاتلة في التاريخ الإسلامي، ولكن لو أخذنا فرق الشيعة مثلًا؛ فإن تاريخها يكشف لك السبب الحقيقي للخلاف -وهذه قراءة نقدية، تكشف وتحاور وتبني وتحكم- فلو قرأت كتاب (فرق الشيعة) للنوبختي -وهو منهم- أو كتاب (الملل والنحل) للشهرستاني -وهو ضدهم-؛ لوجدت أن سبب التفرق ليس عائدًا لاختلاف الفهوم حول البيان -المرجع- ولكن لأسباب أخرى، حيث تجد أنه ما من إمام من أئمتهم مات إلا حصلت بوفاته فرق جديدة أقلها ثلاث.
الدكتور فؤاد زكريا عندما رد على محمد حسنين هيكل في كتابه (خريف الغضب) والذي سماه (كم عمر الغضب؟!) ذكر قدرة هيكل على تأليف أي كتاب يريده خلال مدة قليلة واعترف بقوة هيكل في وصوله إلى أهدافه وعزا هتين القدرتين إلى"أرشيف"هيكل الرهيب، أي"التاريخ"؛ تاريخ السياسات والأشخاص والدول والقوانين، وقوله هذا من جهة نظرية قول صحيح؛ فإن التاريخ هو أساس إدراك الحقائق، وتاريخ أي علم أو موضوع هو الكاشف لحقيقة هذا الموضوع ومقدار صدقه أو انحرافه، إلى غير ذلك مما يتعلق بهذا الأمر.
وللذكر فإن محمد حسنين هيكل من أشهر قراء العصر وخاصة السير الذاتية للسياسيين والقادة، حتى ذكر عن نفسه أنه لم يتخل عن برنامج القراءة الذي اعتاده في يوم بنائه على زوجته، خصلة محمودة ولا شك، وهو صاحب أكبر أرشيف يتعلق بتاريخ مصر بعد ثورة يوليو ولحرصه عليه هرّبه إلى خارج مصر، وقد كان يسمي زمن عبد الناصر بصوت سيده، ومن أراد معرفة معناه فليسأل وليكتشف.
تاريخ العلوم والقراءات تاريخ سجالي قد لا يكون موجودًا في كتاب مستقل لكنه قد يختزل في جملة مبثوثة في كتاب لم يؤلَّف لهذا الأمر، وهنا تأتي أهمية القراءة الشاملة.
كان من حجج شكيب أرسلان على فساد قول طه حسين في انتحال الشعر الجاهلي هو تاريخ الشعر، فإن الفجوة التاريخية هي التي تثير الريبة والشك في العلم، فكان من قول أرسلان: متى كان الشعر الجاهلي غائبًا مستورًا ثم ظهر فجأة كرعي بلا دليل؟! أين هي الفجوة التاريخية والحلقة الزمانية المفقودة في تاريخه ليثير الشك في نسبه فيكون ابن لغيّة لا ابن رشدة؟!
الإنتاج الإنساني مأسور لأمور متعددة سوى منهج الإنسان وإيمانه، مأسور للجغرافيا وللتاريخ وللحدث وللعواطف والانفعالات، وحين يقرأ الإنسان هذا الإنتاج من خلال محيطه فإنه يقرأ قراءة