فهرس الكتاب
فالمعروف مثلًا أن (رسالة أبي زيد القيرواني) والتي تعد عند بعض المتأخرين مصدر الفتوى للعالم المالكي إنما كتبها هذا العالم المجاهد ليحفظها الأطفال مع القرآن الكريم من أجل تحصينهم ضد الباطنيين -الإسماعيلية العُبيديون- في زمانه.
وكذلك (مقدمة ابن الصلاح) في الحديث، فإنما كتبها للطلاب تسهيلًا لهم لحفظ الأمر على طريقة تعريفات المتأخرين لا أكثر، أي أنها تعريف لمصطلحات علم الحديث وليست علم الحديث، فهي مقدمة له، أي لشرح مصطلحاته فقط.
وقراءة العلوم من مصادره الأولى تكشف لك أخطاء المتزيدين عليه أو البانين عليه بناءً باطلًا، ومن أمثلة ذلك ما يسمونه اليوم بعلم"المقاصد"الذي ينسبونه إلى الإمام الشاطبي وكتابه (الموافقات) ، وعلى الرغم أن الإمام الشاطبي ليس أول من كتب فيه لكنه هو أكثر المقال فيه بسطًا واستدلالًا، وله فضل في هذا لا يُنكر، فلو قرأت فقه المقاصد عند الشاطبي وما يكتبونه اليوم عنه ترى أن الدُرَّ استحال إلى البَعَر، فقد جُرِّدت المقاصد عن روحها الذي شدّد الشاطبي عليه في كل كلمة قالها في كتابه؛ وهي تحقيق العبودية لله وأن أعظم المقاصد هو حفظ الدين وتقديمه على ما سواه من المقاصد الأخرى، فانظر إليهم اليوم وقد حولوا"المقاصد"إلى"الرغبات"و"الشهوات"و"المصالح الدنيوية الذاتية"مع أن الشاطبي شدد على هذا الأمر ونبّه عليه محذرًا من السقوط فيه، ومع ذلك جاء اليوم من جوّز بناء الحكم الشرعي على"المصلحة"تحت حجة فقه المقاصد، حتى لو خالفت النص الشرعي الصحيح، ومن قدَّم حِفظ غناه وليس ماله فقط على حفظ الدين، والشاطبي -رحمه الله- بريء من كل هذه الأهواء والأكاذيب.
وعلى الرغم أن هذه الكتب لا تُكثر من"كيف"كما تقدم لكنها كتب سجالية؛ فهي كما قلت نشأت لسبب وظرف، وهذا الظرف عادة وجود المخالف أو انتشار الخطأ، فالكاتب تحضر في ذهنه المناظرة، وإن كتب كتابه على غير طريقة المناظرة، لكنك تتحسس هذا من كتابه روحًا تسري فيه، فتعرف أساس المشكلة فلا تعمم، ومن ذلك قراءة كتب أرسطو التي شكلت منطقه الذي نُسب إليه، فإن قراءتها تكشف لك أن هذا المنطق نشأ لمشكلة بيانية تتعلق"باللغة"وليست لمشاكل"برهانية"حسب تقسيمه، ولمشكلة البيان عنده"اللغة"نشأت"السوفسطائية"التي دفعته لكتابة منطقه في كتبه المتعددة، ولعدم فهم هذا نقل الآخرون"منطقه"إلى بيئات أخرى ليس فيها هذه المعضلة وظنوا أن المنطق عصمة"للعقل"من الانحراف كما أن"النحو"عصمة للسان من اللحن، وهذا التعميم هو دمار للمنطق نفسه وللعلم الذي يُطبَّق عليه وليس ملائمًا له.
إن قراءة كتب"أوائل العلوم"تجر وراءها أسئلة وقراءات أخرى، وهذا كافٍ ليُحقِّق للقراءة عمقًا.
-من الكتب التي تعينك على تعميق القراءة، هي كتب"تاريخ العلوم"أي"تاريخ القراءات"؛ فما من علم إلا وينشأ من قراءة، وقد اهتم العلماء قديمًا برصد هذه العلوم وكتابة تاريخها، والترتيب الزمني، وكذلك الترتيب العلمي ومستوياته، والتطور وأسبابه، ومن ذلك تاريخ الفرق العقدية في