الصفحة 89 من 171

أكثر ما يفيد في قضية مناهج الأقدمين الذين لم يكتبوا في المنهج اعتمادًا على حضوره في نفوسهم، ونفوس أقرانهم، ولم يخطر ببالهم أن يرث هذا العلمَ أهل عيّ وجهالة.

نعم يكتنف هذه القراءة -وهي قراءة كتب أوائل العلوم- صعوبة على المبتدئين؛ إذ إن أغلبها كما تقدم مختصرة وأشبه بالمتون، لأن المؤلف -يُفترض في هذا المؤلف- أنه يخاطب أقرانه، ومن كان هذا حاله فإنه لا يطيل الشرح والأمثلة، ولا تكثر في نفسه أسئلة:"كيف"، لأنه يقدِّر معرفة الآخرين بها، ولذلك يستعان على قراءة هذه الكتب بكتب الشروح في البدايات، مع أن هذه الكتب لا تنتهي شروحها كما هو شأن (مقدمة ابن خلدون) ، فهذه كُتب عنها الكثير، وخاض فيها من خاض، ومع ذلك بقي في الأمر متسع لبعض القول عليها.

ومن فوائد قراءة هذه الكتب أنها تمد القراءة لقراءة أخرى، إذ أن"تاريخ العلوم"من أهم العلوم التي يجب أن تُقرأ لتتعمق القراءة كما سيأتي، وتُعرِّفك قراءة أوائل العلوم على تطور هذا العلم إما سلبًا أو إيجابًا، وما هو أصلي فيه وما هو أجنبي عنه، كما تعرفك بمراتب الكتب وتقديرها؛ لأن هذه الكتب -كل الكتب- تكتنفها أمور خارجية خادعة إما مزينة لجهل أو طامسة لعلم، شأنها شأن الناس، فكم من الناس يخدعك بَريقُه ثم تكتشف دناءة معدنه وإما أن يتغابى وهو أذكى الناس وأعلمهم، فقراءة هذه الكتب تعلِّمُك قراءة العلم ومقداره وراء عبارة الكاتب، لأنه كما تقدم لا تنشأ هذه العلوم إلا من كميات هائلة من أفراد وهذا العلم الجديد.

من قرأ كتاب سيبويه (الكتاب) يدرك الفرق جليًا بين علم النحو عند الأوائل حيث كان ذوقًا وروحًا ومعنى، ثم صار خُشُبًا مُسنَّدة، قواعد حديدية تشكل هيكلًا فاقدًا للذوق والمعنى.

كان من أماني الشيخ محمود شاكر أن يصل إلينا كتاب الخليل عن بحور الشعر؛ لأنه يعتقد أن البحور مبنية على الدوائر لا على التفعيلة، ويُنظر قوله هذا في كتاب (نمط صعب ونمط مخيف) ، وانظر إلى كلامه العجيب في كتابه (رسالة في الطريق إلى ثقافتنا) حيث يقارن بين عبارة سيبويه في تقسيم الفعل وعبارة من بعده.

ويزعم اليوم"المضبوعون"؛ -أي من وقعوا في أسر الضبع، هذا الحيوان الجبان نهارًا الأسد ليلًا، يحكي عنه أباؤنا قصصًا غريبة، منها أنه يخلب عقل أسيره في الليل عن طريق أمرين: كثرة مخاتلته ثم رش بوله عليه، وبذا يقع الإنسان ضحية للضبع فيلحقه إلى باب وكره، وبعض أمتنا وقع في إسار الضبع بالمخاتلة حينًا وببول الضبع حينًا آخر، وهم من نعنيهم-، أن الأوائل لا بصر لهم بالنقد الشعري مثلًا، أو لا يوجد عندهم منهج عقلي لنقد المتن، أي متن سواء كام وحيًا كالحديث النبوي أو إنسانيًا كالشعر وغيره، وهؤلاء -إن أحسنا بهم الظن وأن سبب ضبعهم هو المخاتلة وليس البول- إنما أوتوا لعدم قراءتهم الكتب الأولى، وإنما قرؤوا -إن قرؤوا- كتبًا كتبها أصحابها للأطفال في زمانهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت