الصفحة 88 من 171

كتب أوائل العلوم وإن بدت قليلة الحجم -في أغلبها- إلا أنها تحوي الأسس الأولى لهذا العلم، وتكشف طريقة التفكير التي اتبعها"المبدع"في وصوله لأهدافه، وهذا ليس من خلال شرح مطول مسهب كما يكون عند اللاحق له، بل من خلال نظر الناقد وقراءته العميقة لهذه الكتب؛ ولذلك في هذه الكتب قلما يفصح"المبدع"عن أصوله؛ لأنه في الأغلب يفترض أنه يتعامل مع متخصصين وكبار مثله، وهذا مع مرور الزمن وقلة الوعي عند اللاحقين يصبح كتابه مهجورًا إلى الكتب الأخرى لصعوبة كتابه أو لخفاء معانيه عند"السطحيين"، وبعض هذه الكتب اللاحقة لمحاولة التسهيل لسوء فهم تقتصر في معاني كتب"أوائل العلوم".

من هذه الكتب الصالحة للمثال فيما نحن فيه كتاب (الرسالة) للإمام الشافعي، وهو أول كتب وُضع في أصول الفقه والحديث، وهو بأصول الفقه ألصق.

لقراءة هذا الكتاب قراءة صحيحة يستدعي معرفة أمور مهمة؛ منها معرفة الحال الذي دفع الإمام لكتابته، فالمعروف أن كتب العلم الشرعي كانت تُكتب لسببين: إما للدخول في زمرة العلماء، أي كتابة للمشاركة وهو أشبه بما يُقدَّم اليوم من أبحاث جامعية، وإما أن تكتب لسبب خارجي عن ذلك، كسؤال توجه إليه، أو فتنة وقعت واستدعت الإجابة، وكتاب (الرسالة) ولا شك من النوع الثاني؛ إذ أن الشافعي ألفه بعد أن صار له اسم وحضور في وسط علمي رفيع المستوى حتى قال أحمد بن حنبل قبل قدوم الشافعي إلى العراق -وله رحلتان إليها-:"لقد كانت أقفيتنا -وفي قراءة: أقضيتنا- بين يدي أهل الرأي حتى جاءنا الشافعي"، فهو لم يكتبه للدخول في زمرة العلماء، إذ كتبه وهو المقدَّم فيهم.

فمعرفة السبب الدافع لكتابته أمر مهم، ثمَّ لا بد من معرفة أدوات هذا"المبدع"، والشافعي إمام في اللغة ويكفي مدح الجاحظ له حين اعترف أنه أنبغ أهل عصره فيها، واعتراف الأصمعي أنه أخذ شعر هذيل منه وهو فتى في مكة، وإمام في الحديث بلا منازع معتبر، وإمام في الفقه بإجماع الناس، وصاحب عقل غوّاص، واستقرائي واستنباطي.

فمثل هذا الكتاب لمثل هذا الكاتب، وبإبداعه غير المسبوق يجعل للكتاب مزية إدراك هذا العلم والنظر إلى قواعده الأولى.

بل إن ما يقال عن أوائل الكتب يقال عن أوائل الاستنباط والنظر؛ فإن الحكمة الأولى لها عمقها وجمالها وبيئتها المفيدة لعلوم أخرى، انظر إلى كتاب ابن رجب (جامع العلوم والحكم) في أوله، في شرحه لحديث (إنما الأعمال بالنيات) وقول الشافعي عنه:"هذا الحديث ثلث العلم ويدخل في سبعين بابًا من الفقه"، فتأمل هذه الكلمة كيف انتقلت من أفواه العلماء، يزيدون عليها ويبسطونها، ومع ذلك فإن منهج الاستقراء الذي يتميز به الشافعي واضح جلي في كلمته، وتأمل كيف جعل الحديث"ثلث العلم"، وأما في الفقه فيدخل في"سبعين بابًا"، كل هذا يُعينك في معرفة العلوم وتطورها، وهو يفيد

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت