والكذب، وقد عُلقت صورة تمثل غرابة هذه الآثار وهي صورة لكلب يجلس خلف الكومبيوتر يتحدث مع آخرين وهم لا يعرفون أنهم يحادثون كلبًا!
فهذه الوسائل كسرت العوازل الحياتية والخصوصيات الإنسانية ولم يعد الأجنبي مجرد متكلم في المذياع أو التلفاز، لكنه صار يجلس معك ويحادثك وتحادثه، تراه ويراك، وإذا كان الناس قد شكوا أن التلفاز ومن قبله الراديو قد قضيا على كثير من العادات الاجتماعية والإنسانية الحسنة من التفرغ للضيوف والزيارات وغيرها، فإن هذه الأداة زادت هذا الأمر سوءً، هذا في بعض مظاهرها السيئة أما الحسنة فكثيرة جدًا وعظيمة جدًا.
البعض يحاول المنع المطلق بحجة الفساد، لكن عجلة الحياة وحاجة الناس ورغباتهم واهتماماتهم لن تأبه لهذا المنع ولن تلتفت إليه، وستكون هذه الدعوات في بعض الأحيان مثيرة للشفقة أو السخرية، فالمطلوب هو الرعاية والترشيد ككل قضايا الحياة.
يجب إفهام أطفالنا وعائلاتنا وإخواننا أن هذه الأدوات أخطر من كونها متعة لإهلاك الوقت كما يفعل الكثير من البطّالين والجهلة، ويجب إحرازهم من شياطين هذه الأدوات ومزالق الفساد فيها، كما يجب أن يفهموا أنها أداة جعلتهم أسعد من غيرهم في الوصول إلى العلم والمعرفة.
ومما هو مهم أن الأدوات لا تلغي بعضها بل تعين بعضها، فلم يستغنِ الناس عن الكتاب وروعته أمام الشريط والمسجل، لكن صار الشريط أداة جديدة تُعين وتحفظ وتقدِّم وتسهِّل، وهكذا هذه الأدوات الجديدة فإنها رائعة بحق ونفعها لا ينكره عاقل، لكن يبقى للكتاب سحره وروعته، وتبقى الحاجة إليه قائمة.
ومما ينبغي فهمه عند بعض محبي الكتاب بصورته المعروفة -والتي كانت ستبقى ما بقيت الأرض- أنّ الأدوات الحديثة والتعامل معها لا يعني موت القراءة وضعف الكتاب، ويجب علينا ألا نعلّق الهروب من الكتاب على هذه الأدوات الحديثة، فالحقيقة أن القراءة تعاني ضعفًا قبل هذه الأدوات، وها هي الدول التي ينتشر فيه الكتاب-بغض النظر عن نوعه وقيمته- هي الأكثر استخدامًا لهذه الأدوات كذلك، فالقراءة لا ينافسها أدواتها بل ينافسها الجهل وأعداؤها، وينافسها قيم التعليم البالية في بلادنا -كما تقدم في فصل"أعداء القراءة"-، ولو كان هناك أداة ترشد العقل وتهتم بالتربية والتعليم كما يزعمون لكانت هذه الأدوات في واقعها عاملًا مستفزًا ودافعًا للقراءة.
عندما يطلع الطفل على الفيلم (رحلة سلام) مثلًا فيمكن -وقد حدث- أن يسأل والده عن القصة وأين وردت، فيقدم له أبواه القصة من موردها التاريخي، وهكذا فيلم (محمد الفاتح) وغيرها. ولا أكتم أن بعض الآباء كان يطلب مني كتابة ما ورد في التاريخ وكتب عن قصص رأوها في برامج ثقافية وغيرها.