وعلينا ألا ننكر أن طفل اليوم يسمع بأمور كان"المثقف"هو من يستأثر بها، وإنما علمها الطفل من خلال هذه البرامج.
فالمطلوب هو أن نوجه لا أن نلغي، وأن نجعل هذا الجديد رافدًا لغريزة القراءة وحب الاستطلاع والعلم.
القراءة لا تموت بأي رافد جديد للعلم والمعرفة ولا تضعف بمنافسة مصادر المعرفة الأخرى، بل تصبح أكثر وعيًا بشرط وضع كل شيء في سياقه الصحيح.
إن مما ذكره رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من علامات الساعة انتشار الجهل والقلم، وهذا عجيب! فكيف تنتشر الأداة ومعها ضدها لا فوائدها ولازمها، وواقعنا أعظم دليل على هذا الأمر؛ فإن أدوات العلم صارت مبذولة مطروحة لكل أحد، ويستخدمها الكثيرون، ومع ذلك فإن العلم يقل ويذوي ويتراجع؛ لأن:
-كثيرًا من هذه الأدوات تُستخدم لغير هدفها، بل لضدها، فينتشر بسببها الفساد وتضيع معها الأوقات فتصبح الأداة سلبية العمل تهدم ولا تبني.
-كثيرًا من الناس بسبب هذا الشيوع لا يقيمون شأنًا للقراءة وتنمية العقل والذاكرة، لاعتقادهم إمكانية سرعة الوصول للهدف، فلِمَ إذًا إضاعة الوقت في الحفظ والمذاكرة وتنمية العقل وإعمار الباطن بالعلم؟! فلا ضرورة لحفظ القرآن، فهل نحن بحاجة لنسخة جديدة منه -كما يقول البعض-؟! حتى إن الإمام يمكن أن يقوم بالناس ويؤم بهم دون الحاجة لحفظ القرآن، إذ يمكن وضع القرآن في الجيب"لصغر حجم الطباعة"ثم إخراجه متى أراد القراءة، بل إنهم اليوم يضعون أمامهم شاشة كمبيوترية وتقلب صفحاها عن طريق زر في اليد مربوط بها، وهكذا يقال في الحديث الشريف، فلا حفظ ولا فقه ولا نظر، فإنه بلحظة واحدة يمكن لك أن تصل لمواطن منه لم يكن يصل إليها السابقون الأفذاذ إلا بشِقّ الأنفس.
فقلّ فقه الباطن وخوى بسبب انتشار أدوات العلم كما نرى، حتى صرنا نسمع من يستهزئ بأهل العلم وعدم الحاجة لهم لقيام الكمبيوتر بدورهم، والمسألة لا تعدو أن نضع عمامة فوق الكمبيوتر ثم نسأله ما نحتاجه فيعطينا الجواب، كما يزعم هؤلاء!
فلم يفهم الكثيرون أن هذه الأدوات إنما وُجدت لإعانة الإنسان على تحصيل العلم، ومكان العلم هو الصدور، كما قال تعالى: {بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ} ، وكما قال تعالى: {اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ} ، فمقصود العلم هو أن يحل في الصدور ليحصل به النور والهداية، وكما قال بعض السلف:"العلم ما حواه الصدر لا ما حواه القِمَطْر".