الصفحة 109 من 171

فعدم الاستعانة بهذه الأدوات لتحصيل العلم ووضعها في غير موضعها نشر الجهل ولم يقضِ عليه.

-الاستعانةَ بهذه الأدوات بطريقة غير صحيحة يوصل إلى نتائج مغايرة لهدفها؛ فإن هذه الأدوات الجديدة قدّمت فائدة عظيمة في باب التبويب والفهرسة، فصار البعض إن أراد كلمة بحث عنها دون سواها في آلاف المجلدات والكتب، ولا يهتم بسياقها ولا سباقها ولا قضية الكتاب ولا منهج مؤلفه ... ، إلى غير ذلك من ضروريات معرفة مراد المؤلف، فيأخذها الباحث ليضعها في غير سياقها فيحصل الضدّ، وهذا جهل ولا شك، وهذه المسألة سنأتي عليها في"مقاصد المؤلفين ومفاتيح الكتب"بتوسع إن شاء الله تعالى.

إن الأشياء لا تُحقق مقاصدها إلا إذا استُخدمت على وجهها الصحيح وعُرفت مجالاتها دون تعدية، وإلا كان ضررها أكثر من نفعها، وعالمنا اليوم عالم سريع الوقع كثير المفاجآت، ومما لا يمكن أن نقبل تطوره هو مفهوم العلم، ولا مقاصده؛ فإنهما من العبادة النُّسكية والتي يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيها: (من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد) ؛ فما لم يكن دينًا عند الأولين فلن يكون دينًا في أي وقت من الأوقات، وأما أدوات هذا العلم فهي وسائل يُنعم الله بها على البشر، والسعيد من استعان بها على تحقيق عبوديته لله تعالى. ولنتذكر دائمًا أن المشقة في العبادات ليست مقصودة لذاتها كما يعتقد البعض، وقد ذكر هذا المعنى كبار أهل العلم كالعز بن عبد السلام في (قواعد الأحكام) ، ونقله ابن القيم عن شيخه في مواطن، ومن ظن أن الآيات والأحاديث الداعية إلى الصبر على طاعة الله تعالى كقوله تعالى: {وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ} تعني البحث عن المشقة ليحصل الأجر فهو مخطئ في الفهم؛ فهذه لا تعني أبدًا اختيار المشقة مقابل اليسر حين تكون البدائل، فقد قال - صلى الله عليه وسلم: (يسروا ولا تعسروا) .

هذه الأدوات الجديدة تنفع القارئ في بابين:

1 -أن يجعلها كالكتاب؛ يفتح الكتاب من أوله، ويقرأ فيه كما يقرأ في الكتاب، هذا إن قدر على ذلك وصبر عليه، والذي أعلمه من نفسي ومن كثيرين أن هذه طريقة صعبة فأغلبنا يطبع المراد في ورقات، فعاد أمرنا إلى ما اعتدنا عليه، وهذا أمر يعود للقارئ وعادته وقدراته.

2 -أن يستعين بها كالفهارس في أبوابها الخاصة؛ أي في أبواب الفهارس لا ما تقدم من أن تكون هذه طريقة القراءة الجديدة للمحترزات التي تقدمت، والمرء لا يستغني عن الفهارس، وفي مرات متعددة يحتاج ليقلب آلاف الورقات وقد لا يجدها، وهذا اليوم صار سهلًا ميسورًا، تصل إلى مبتغاك بسرعة.

وأهل العلم بحاجة إلى ذلك، فقد كنت في وقت من الأوقات أعجب لمن أعلم فقرهم في العلم كيف يستحضرون في كتاباتهم النصوص الكثيرة في وقت يسير، مع أن آخرين لا يقدرون على هذا في هذه المدة الزمنية، حتى عرفت استعانتهم بهذه الأدوات الجديدة، لكن كنت أحزن أن هذا يوقعهم في طامات ومصائب، منها: وضع الكلام في غير موضعه، وفهمه على غير وجهه؛ لأنهم ليسوا من أهل العلم، أو ينسبون للعالم ما لم يقله، إذ قد يكون قد أورد النص للرد عليه أو لمجرد عرضه فقط،

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت