فأخذه هذا الباحث دون معرفة وشمول فهم، ومن أَوَابِد ما يقع به هؤلاء هو الغرور، حيث ظنوا أن هذا يُدخلهم في زمرة العلماء والفقهاء، فهاهم يوردون كلامهم ويعرفون مواطنه ويستحضرونه أكثر من العلماء أنفسهم، فأي فضل سبقوا إليه؟! ولم يدروا أن عملهم هذا هو عمل فني له علاقة بالأداة وليس بالعلم نفسه، كما يفعل الطابع الراقم على الآلة الكاتبة، أو كما يفعل عامل صفّ الحروف في أدوات الطباعة القديمة، وهؤلاء وإن كتبوا العلم لكن لا أحد يعُدُّهم من أهل العلم، وإلا لعُدَّ صانع حذوة الفرس فارسًا!
وهذا ينطبق اليوم على من يُقال لهم محققو الكتب ولا فرق؛ إذ تحول التحقيق إلى عمل فني يمكن أن يقوم به أجهل الناس، لكنه متقن لفن استخراج النصوص من مواطنها ليستكثر من الهوامش.
والمعركة بين الجهل والعلم لا تكون فقط في تحصيل المساحات في عقول الناس وقلوبهم ولكن كذلك في تجلية المفاهيم، فلا يسمى الجهل علمًا ولا العكس كذلك؛ فإن هذا من أبواب المعارك المهمة، وهو بيان حقيقة المصطلحات، كل المصطلحات، كالجهاد الذي يسميه الناس إرهابًا وتطرفًا، والكفر الذي يسميه الناس حرية فكر ... وهكذا، هذه المعركة ليست جديدة بل قديمة قِدم الإنسان، فسرقة الشعارات والمصطلحات فن إبليس الأول؛ حيث سمى شجرة المعصية"شجرة الخلد والملك الذي لا يبلى".
إن الحقائق والفضائل لها ساحتان من المعارك: ساحة إثباتها ضد أضداها؛ أي نشرها وتعميمها، وساحة تخليصها من أضداها الفاسدة.
وتبقى المعركة ما بقيت الأرض.
بقيت مسألة مهمة؛ وهي قضية ما يسمى"حق الابتكار"، وهي مسألة جديدة لم يعرفها الأوائل في باب العلم ونشره، كحقوق الطبع؛ طباعة الكتب وحقوق الإصدار، فهذه مسألة تمنيت من كل قلبي ألا يختلف العلماء فيها لوضوح الحق فيها؛ إذ أنها مسألة صناعة، فيها جهود ومشقة وإنفاق أوقات وأموال، ثم يأتي جالس على الطريق بطّال ليأخذ ذلك كله! وليته يجنيه دون ضرر، بل يدمر جهود الآخرين كذلك، فإنها لو لم تحرّم لأن فيها أكلًا لمال وحقوق الآخرين، فإنها تحرم للضرر العظيم العائد على أناس يستحقون كل دعم وتأييد.
لقد شهدتُ كتبًا تُسرق طباعتها وتُباع في الأسواق بأقل قيمة من قيمة كلفتها على طابعها الأول؛ إذ دفع حقوق المؤلف وتكلفة الصف والمراجعة وإخراجها بصورة جيدة قد تكون مشروطة من قِبل المؤلف أو من قبيل حرصه ككتبي عليه، ثم يأتي أحدهم ويصورها فقط ويدفعها للأسواق لتباع بربح عالٍ له ولكن بسعر أقل من التكلفة التي تكلفها الطابع الأصلي؛ فهل مثل هذه المسألة تشتبه على عالم ليفتي فيها بغير الحرمة؟!