الصفحة 56 من 171

فحاول الدكتور عبد المجيد تركي أن يستخرج لنا موضوعات هذه المناظرة في كتاب ألفه بالفرنسية ونقله عنها الدكتور عبد الصبور شاهين.

-وأما حال الفقر والغنى مع الفكر فهي قضية مشهورة لا تحيطها ألوف الورقات من تجارب العلماء والمفكرين، والكتابة فيها تزيد غير حميدة هنا.

فهذه الأحوال وتعددها تدل على أن الفكر حالة إنسانية يستدعيها المرء في كل الأحوال والظروف، ويستطيع غشَيانها دون أن تحدّه حدود أو تمنعه موانع، ومعرفة ظرف الفكر وطقسه ربما يعين المرء في فهم المفكر وطبيعة إنتاجه ومستواه؛ فهناك من يتعذر بسبب هذه الظروف كمن يقول:"في فمي ماء"لسبب سياسي، أو يقول:"بالي مشغول"بسبب همّ ركبه، وغير ذلك من الاعتذارات، أو كمن يعلق قساوة الألفاظ على حال المؤلف كما قال النقاد في كتاب أبي حيان التوحيدي في (مثالب الوزيرين) وما جرى له معهما.

أو كما يزعم البعض أن ما كتبه سيد قطب عن الجاهلية والبراءة منها إنما هو وليد معاناة السجن وقسوته، ويقارنون بين هذه الكتابة وخاصة في كتابه (معالم في الطريق) و (في ظلال القرآن) وبين كتبه السابقة سواء كانت أدبية ك (كتب وشخصيات) أو (طفل من القرية) أو (الأطياف الأربعة) ، أو كانت كتبًا إسلامية (كالعدالة الاجتماعية في الإسلام) أو (التصوير الفني في القرآن الكريم) أو (مشاهد القيامة في القرن الكريم) .

والحق أن تعليق الفرق على هذا السبب خطأ وغير صحيح في فهم سيد؛ فإن الموضوع يتعلق بالمنهج وليس بطقس الكتابة وظروفها، وقد سمعت شقيقه الأستاذ محمد قطب يرد هذا من جهة خبرية وهو أن سيد قطب كان عند تأليفه هذين الكتابين -المعالم والظلال- في مستشفى السجن ومعه أبرّ أصدقائه يعتنون به، حتى قال محمد:"لو كان سيد في البيت ما وجد هذه العناية والملاحظة".

ولكن مما لا شك فيه أن طقوس الفكر تؤثر في الإنسان، فمعرفتها جزء من فهم الكتاب والكاتب والوعي بهما.

هذا موجز عن طقس الفكر.

أما طقوس القراءة:

فإني أعتقد أن أول قراءة في التاريخ البشري هي الإلقاء من متكلم والإصغاء من سامع؛ لأنه -كما هو ظاهر بل هو الحقيقي الذي لا شك فيه- أن الإنسان متكلم سامع قبل أن يكتب؛ فالحرف منطوق قبل أن يكون مكتوبًا، بل هناك من اللغات ما هي لغات صوتية فقط لا يُعرف لها كتابة، فهذا الطقس هو السماع، وفيه الوعي التام والانتباه الكامل، وإن أول معلم هو آدم -عليه السلام- حيث كان نبيًا لأبنائه، وقد علَّمه الله الأسماء؛ أسماء الأشياء كالسماء والأرض والحجر كما قال تعالى: {وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا} وكان هذا التعليم هو مصدر قابلية آدم وذريته لعمران الأرض واستحقاقهم لوراثتها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت