الصفحة 57 من 171

وقد تكلم العلماء كثيرًا حول اللغة وهل هي توقيفية أم اصطلاحية، وقد أعجبني ما كتبه ابن جني -مع اعتزاليته- في (الخصائص) فيُرجع إليه، مع أن أغلب كتب التفسير تكلمت عن هذه المسألة، وكذلك كتب اللغة وفقهها، والذي أعتقده أن اللغة توقيفية في أصل وضعها، ولكن اللغة تتطور وتموت وتحيا، فكم من اللغات ماتت كليًا، وكثير من اللغات نشأت، وهذا كذلك في اللغة الواحدة، فاللغة العربية مات الكثير من ألفاظها إما لعدم وصوله إلينا كما قال أبو عبيد معمر بن المثنى، وإما لوحشية الألفاظ وصعوبتها كما قال ذلك ابن قتيبة في (أدب الكاتب) وضرب على ذلك مثالًا في أسماء المطر حيث بقيت بعض الأسماء مثل:"الغيث والوبل"، وذهب اسم"البُعاق"لخشونته ووحشيته.

والحق أن القرآن الكريم قوَّم اللغة العربية وبسّطها وسهّلها فلا نجد فيه كلمة وحشية بل هو سهل ميسور كما قال تعال: {وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآَنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ} ، وفضل القرآن على العربية في هذا واضح وبيّن، وكذلك الحديث النبوي وهناك رسالة دكتوراة للدكتور الضاوي العراقي تحت عنوان (أثر الحديث النبوي على اللغة العربية) ، وهو كتاب علمي رصين بذل فيه صاحبه جهدًا مشكورًا قيمًا، وأعظم مباحثه هو الرد على من زعم أن الحديث النبوي ليس حجة في اللغة، وإن كان قد قسا فيه على الدكتور ناصر الدين الأسد في كتابه (مصادر الشعر الجاهلي) حول أوّلية الإسناد، وهل هو في اللغة أم الحديث.

وكتاب (مصادر الشعر الجاهلي) من غرر الكتب التي كُتبت في هذا العصر، وإن كان صاحبه قد أضاع نفسه في الوظائف الحكومية، مع أنه لو اهتم بالعلم ونشره لكان له شأن آخر، لكنها الأعمال الإدارية التي منعته من خوض معارك الحروف وأمانة الكلمة عما كان شيخه محمود شاكر يفهمها ويعيشها ويريدها لأمناء التراث، وللأسف فقد أخبرني بعض الإخوان أن الدكتور ناصر الدين الأسد رأى في يديه كتاب (أباطيل وأسمار) في مكتبة مؤسسة آل البيت، وهي إحدى مؤسسات السوء في عالمنا الإسلامي لسرقة الإسلام والتحدث باسمه من قِبل الحكومات الطاغوتية كمؤتمر العالم الإسلامي والمؤتمر الإسلامي الشعبي وغيرها، فأنكر عليه قراءته فيه، وهذا من خيانته لشيخ اعترف في أول الكتاب -أي (مصادر الشعر الجاهلي) - بفضله عليه، والشيخ شاكر قصّر تلاميذه فيه تقصيرًا مقيتًا، ولا همة شباب الإسلام وأمناء الكلمة في البحث عن جذورهم لما عُرف له صوت، والشكر موصول لأول باحث كتب عنه وهو الأستاذ عمر حسن القيام في رسالة ماجستير طُبعت بعد ذلك، وإن كانت قد اقتصرت على دراسة كتاب واحد له وهو (نمط صعب ونمط مخيف) ، وهو كتاب أعجوبة من الأعاجيب.

وقد أدرك الإنسان ولا شك منذ أوليته بقيمة الكلمة وأهميتها وفوائدها، فكانت هي خيل الإبانة عن نفسه، تحمل مشاعره لمن يحب، ومشاعره لمن يكره، وحاجته لما يريد، بها يثير فرح السامع وحزنه وغضبه وشجاعته، وهو إدراك في ظني فهمه من خلال تبصُّره بأول خطاب في الوجود؛

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت