فهرس الكتاب
وهو خطاب الله تعالى له، ذلك أن الإنسان حين رأى أن الله سبحانه يَبينُ بالكلمة عن نفسه، وبها يعلِّم عباده ويأمرهم وينهاهم ويرشدهم ويرغّبهم ويرهّبهم، يحبّبهم ويخوّفهم، فحينها أدرك عظمة هذه الغريزة عنده، وأن إنسانيته مختزلة في داخلها.
ثمَّ ولا بد أنه أدرك علاقة الصوت بالحرف؛ فإنه إن غضب صرخ وكذلك إن حذّر ونبّه، وإن سامر همس، وإن ناجى أو ناغى رقّق، فأدرك أهمية الصوت للكلمة، وأن نوع الخطاب لا بد من ائتلافه مع الصوت.
ثم راقب الجسد ولغته وتنوّع حركاته وتأثر به، وتأثيره على الوصول إلى الهدف بسرعة فاعتنى به وبأدواته، فاتخذ العصا وغيرها، ووقف حينًا لحديث أو إنشاد، أو ركب فرسه ودابته لإثارة أو تشجيع.
وبهذا نشأت فنون السماع والإلقاء.
فعرف الإنسان الخَطَابة، وأقام لها أصولًا وضوابطَ تكمن في النفوس فتُميِّز بين الخطيب المتقن وغيره، وأول كتاب يُعرف عن الخطابة وأصولها هو كتاب أرسطو، وإنما وضعه متممًا"للمنطق"الذي أراد به أن يوقف سخافة وسيطرة السوفسطائيين، ولذلك عُدّ هذا الفن عند الأوائل جزءً من علم المنطق كما ذكر ذلك ابن سينا في (الشفاء) ، والذي ترجم الكثير من هناك، وقد ترجم هذا الكتاب كاملًا إلى العربية من قبل حُنَين بن إسحاق وقد شرحه الفيلسوف الفارابي، وهذا مذكور في كتاب (الفهرست) لابن النديم -والتاء في فهرست أصلية فلا يُقال"الفهرس"قط-، وكتاب (الفهرست) من أشمل الكتب في بيان العلوم وكتبها وزمانها، وهو كما هو معلوم لابن النديم.
ومما يجب بيانه أن وضع الخطابة في المنطق إنما هو على جهة احتقار البيان، والذي ألقى بظلاله القبيحة على المتأثرين بفن المنطق اليوناني من أهل الإسلام، وشرح ذلك:
يرى أهل هذا المنطق أن الخطابة والشعر من أقسام المنطق كما هو معروف، لكن يقولون: أن المقصود من المنطق أن يوصِل إلى التصديق، والتصديق قسمان: يقيني وظني، فالبرهان هو الذي يوصل إلى اليقين، أما الخطابة -وهي من أقسام البيان اللغوي- فلا توصل إلا إلى الظن كما شرح هذا ابن سينا في (الشفاء) ، وأما الشعر فلا يفيد تصديقًا البتة، لكنه يفيد التخييل والذي هو يجري مجرى التصديق، وهذا التخييل خضوع للتعجب والتلذذ تصنعه صور الكلام.
هذه القواعد المنطقية الأرسطية لها أسبابها التاريخية في بيئته، فلما تُرجمت عند العرب، وأخذها بعضهم بالتسليم والانقياد؛ أعملوها على كل بيان، ومن ذلك القرآن الكريم، فاعتبروا أن الخطاب القرآني -لأنه بياني- دليل ظني لا يفيد يقينًا، ومن هنا نشأ في أصول الفقه تأثرًا بالمتكلمين، وأصول الفقه مع عظمته وأهميته، وهو كما يعتبره بعض المعاصرين الحكماء كعلي سامي النشار وسليمان دنيا يمثل الفلسفة الإسلامية، ولعلّ هذا أخذًا منهم لرأي مصطفى عبد الرازق، وإن كان الكثير من