الصفحة 59 من 171

الأوائل ينكرون شيئًا يسمى"الفلسفة الإسلامية"كما نقل ذلك ابن تيمية عنهم في (نقض المنطق) ، وكما يرى ذلك الأستاذ الكبير -وفيلسوف الإسلام اليوم إن صح هذا اللقب- الدكتور طه عبد الرحمن المغربي كما في كتابه (فقه الفلسفة) في قسم الأول الذي لا أعلم إن خرج بعده جزء آخر، وكتب الدكتور عبد الرحمن من درر الكتب وروائعها في هذا العصر.

أقول: من هنا نشأ في أصول الفقه، وهو مع عظمته وأهميته أكثر العلوم الإسلامية تأثرًا بالمنطق، تقسيم إفادة الأدلة إلى يقيني وظني، وهو مبحث طويل نشير له هنا إشارة تعريف فحسب.

بل زعم البعض أن القرآن لا يوجد فيه أدلة برهانية أبدًا، ولا يعرف بها، ومما نسمعه هذا اليوم من تقريع لأحدهم واحتقار كلامه قول الآخرين له:"لسنا في خُطبة"، وكأن الخطبة لا تفيد علمًا! ويزداد الاحتقار إن استخدم أحدهم الشعر فحينها تكون السخرية تامة، وهذا كله من طرق الشيطان وأتباعه في محاربة الحقائق ومصادر التأثير في الأمة، لكنك لو تقعّرت في كلامك بقولك: قال ميسيو فلان، والصحفي علان من الأسماء الأجنبية لكنت المثقف الخطير، وحينها تكون الأدلة التي يُطأطئ لها الحمير رؤوسهم.

ولو نظر الناظر إلى كتاب (الخطابة) لأرسطو، وهو مطبوع اليوم ومطبوع مختصره لأبي الوليد بن رشد، لرأى أنه لا نفع فيه أبدًا في تعلم الخطابة، بل من عجائب ما يذكر أن أرسطو نفسه كان بكى اللسان كما قال عنه الجاحظ في (البيان والتبيين) ، بل زاد الجاحظ أمرًا حيث جعل اليونان كله عري عن الخطب، وقصر الخطب على العرب والفرس، وقدم العرب على الفرس لأنه في اعتقاده أن العرب في خطبهم كانوا على البديهة والارتجال، بلا معاناة ولا مكابدة ولا إجالة نظر، وأما الفرس فخطبهم عن طول فكرة ومعاونة ومشاورة ودراسة كتب.

فماذا يفيدك لتكون خطيبًا معرفتك بالحد والرسم والدليل- كما يشرح لك أرسطو في كتابه-؟! وأكرر أن أرسطو وضع كتابه لسلب السوفسطائيين تأثيرهم الخطابي على الجمهور، فإنه كما يذكر عن اليونان أن كبار السوفسطائيين كانوا خطباء مشهورين بل إن أحدهم وهو"جورجياس"فتح مدرسة لتعليم الخطابة.

في التاريخ العربي كانت الخطابة لها مساحة واسعة لحاجة الناس إليها في حروبهم وسلمهم، في فخرهم ورثائهم، في مدحهم وهجائهم، وفيما هو أدنى من ذلك من الأهمية، كعقود الزواج مثلًا، وقد كان للعرب أسواق للإلقاء؛ إلقاء الشعر والخُطب، كسوق ذي المجاز وعكاظ، ولعلَّ لفظ"خطابة"أُخذ من"الخَطْب"وهو الأمر العظيم الجليل، إذ أن أصل الخطابة هو لهذه الأمور فتناسبا، ولشدة حرص الناس على سماعها يحفظونها ويتناقلونها وهي في لحظتها تثير فيهم المعاني التي تحملها، حتى قال الشاعر:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت