الصفحة 60 من 171

يَكادُ يُزِيلُ الأَرْضَ وَقْعُ خِطَابِهِمْ ... إذَا وَصَلُوا أيْمَانَهُم بالمَخَاصِر [1]

وخطباء الجاهلية كُثُر، لكن اشتُهر خطباء إياد وعبد القيس كما يقول الجاحظ، ومع كثرة الخطباء إلا أن الشعر وصل أكثر منها، وأسباب ذلك معروفة وأعجبها قول القلقنشدي في (صبح الأعشى) أن الشعر شعبي أكثر من الخطابة، إذ مجالس الخطابة خاصة بخلاف مجالس الشعر فإنها عامة.

وحتى لا نبعد عن المقصود فإن حديثنا عن الإلقاء عامة والسماع -ومنه إلقاء الخطب وسماعها-، وهذا الإلقاء لم ينقطع يومًا لحاجة الناس إليه ولأهميته، فقد جاء الإسلام وفيه زاد أمر الخطب وأهميتها، وقد صارت واجبًا من واجبات الإسلام كل أسبوع يوم الجمعة، وقد ابتدأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إعلان دعوته بخطبة مشهورة في كتب السيرة، وصار إلقاء الخطب عملًا يلازم أغلب شؤون الحياة العامة لأثر الكلمة المسموعة على النفوس، وخضوعهم لها واستجابتهم لدعواها، فقد قضى أبو بكر -رضي الله عنه- على نزغ الشيطان بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بكلمات قليلة بليغة، في خطبته التي أكد فيها وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وجمع الناس بعد أن كادوا يتفرقون في سقيفة بني ساعدة بخطبة عامرة.

ومما صنعه الإسلام في الخطب أن جعلها علمًا ودينًا، فليست كلمات تؤثر على النفس بوَقْعها فقط؛ لكن هي كذلك مع كونها تحصل الفائدة العلمية المطلوبة، وأنصح القارئ بالعودة إلى كتاب محمد أبو زهرة وهو بعنوان (الخطابة) فيه كلام طيب مفيد، ولعلَّ كثيرًا من الناس يكون استقرار المعرفة في عقولهم وقلوبهم من خلال السماع أكثر من تأثرهم بالحرف ومعالجته، لكن حفظ العلم لا يتم إلا بالكتابة.

هذه القراءة لها طقوسها عند الأمم وعند العرب تقدم بعض طقوسها، ومن ذلك:

وقوف الخطيب بين يدي السامعين وربما خطب على دابة كما خطب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حجة الوداع، مع استخدام بعض الأدوات كالعصا، واهتمامه بزيِّه كعمامته، ورفعه صوته للتأكيد على السامعين كما كان من شأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وتقليبه وجهه ليشمل كل الجهات دون أن يخص البعض دون الآخر، واستخدام إشارات يديه.

وأما السامعون فإن شأنهم الإصغاء التام، وقد وُصِف أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين يديه في خطبة كأن على رؤوسهم الطير؛ أي لسكونهم وخضوع أبدانهم، وكانوا يرمون ببصرهم إليه. وأما مع غيره وفي غير خُطب الجمعة فإن للسامع دور في إثارة الخطيب من ترديد عبارات الاستحسان والإشارة إلى تأثره واستحسانه لكلامه.

(1) والمخاصر: العصي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت