الصفحة 61 من 171

وهذه طقوس شاملة للخطب وإلقاء الشعر، وإن كان دور الشعر أقل من دور الخطب في حياة الناس؛ لأن الشعر معاناة، وأهله أقل بكثير من الخطباء.

وأما ما اختص به الشعر من طقوس:

فإن الشعر له جوانب متعددة في جماله والتي تُرِّغب الناس فيه؛ فهناك جانب المعاني والصور، وهناك جوانب تتعلق بالوزن وموسيقاه، ولذلك قالوا في تعريف الشعر:"هو الكلام الموزون المقفَّى"، ولهذه الموسيقى الشعرية وأهميتها كان لا بد من إلقاء الشعر والتفنن في هذا الباب. ومن أغرب سماجات القوم اليوم هو ما يقال له: ترجمة الشعر، واعتبار الترجمة شعرًا، ولكن لا يكون الأمر غريبًا حين يسمي هؤلاء نثر الكلام شعرًا، والناس إن قبلوا شعر التفعيلة لأنهم رأوا فيه بعض ما يعرفون من الشعر، لكن أن يكتب أي كلام على صيغة جمل لا تنتهي إلى آخر السطر من غير قاعدة ولا ضابط ويسمى بعد ذلك شعرًا، فلعمر الله هذا هو شأن الذي يتطيب بالعذرة ويسميها مسكًا! ويتبجح كبيرهم الذي علمهم الشعر أنه يريد أن يفجر اللغة، ونحن لا شك في عصر الغرائب، وهذه من التي قال عنها سيبويه:"سأشرب البحر في الأمس".

وترجمة الشعر ابتدأت أولًا بترجمته شعرًا، كما تُرجمت (رباعيات الخيام) من محمد صافي النجفي ومن أحمد رامي، وكما تُرجم بعض شعر إقبال من قبل الصاوي شعلان واشتُهر من ذلك قصيدته الرائعة (شكوى وجواب شكوى) ، ولكنها مشهورة بسبب غنائها باسم: (حديث الروح) ، مع أن الأغنية اختصرت منها الكثير وقدمت جواب الشكوى على الشكوى، ومن غرائب هذه الترجمة أن الصاوي شعلان لا يعرف اللغة الأردية التي تُرجمت عنها القصيدة، وإنما كان يترجم له شاب هندي يتعلم في القاهرة من عائلة"الأعظمي"معنى الشعر ويقوم الصاوي شعلان بكتابتها شعرًا، ومحمد إقبال كتب شعره أول الأمر بالفارسية ثم انتقل إلى لغة أهله فكتب بالأردية، ولما رأى الشيخ أبو الحسن الندوي -رحمه الله تعالى- أن من ترجم شعر إقبال لم يوفِه حقّه بسبب اعتناء المترجمين بالنَّظم أكثر من اعتنائهم بالمعاني فإنه ترجم شعر إقبال ترجمة نثرية.

والحق أن أبا الحسن الندوي إمام في أبواب كثيرة من الخير في هذا العصر، وقد جلست معه جلسة يتيمة كان زائرًا فيها لعمان، وللأمانة لم أتذوق هذه الترجمة قط، ولا خرجت منها بفائدة، مع أني سمعت مرارًا في الباكستان عوامًا يتغنون بشعر إقبال ويسهرون معه وخاصة مدائحه لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وكنت أطرب وأحس بلذة الجرس الشعري لما يتغنون به مع عدم فهمي لما يقولون سوى كلمات مأخوذة من العربية، فكيف بهذه الترجمات التي يفعلها البعض اليوم لما يقال من شعر الحداثة والحداثيين، فن أراد غم النفس وقهر القلب فقراءة هذه الترجمات أسهل الطرق لتحصيل ذلك.

فالشعر نظم ومعنى، جناحان لا يحلِّق إلا بهما، وشعر الحداثة لا شعر ولا قلب، بل هراء وسخافة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت