فهرس الكتاب
لتذوق الشعر يحتاج المرء إلى رحلة، يعاني المرء فيها لكن نتائجها تستحق هذه المعاناة، وأهم الأمور التي يحتاجها المرء لتذوق الشعر هو الحرص على طقوس الشعر؛ فالشعر لا تصح فيه القراءة الصامتة، يمكن لك أن تجلس مع قصيدة لتدرس بناءها ومعانيها وجغرافيتها .. إلخ مما يُدرس له الشعر، لكن مما يُعين على فهمها ومما لا يتحقق من التلذذ معها إلا بالإنشاد، أن تُدَندِن بها، أو تُدَندَن لك، وكان الشيخ شاكر يقول: أن شيخه المرصفي -وهو شارح (الكامل) للمبرد- كان في إلقائه الشعر على تلاميذه يُفصح عن المعاني أكثر من شرح الألفاظ، وهذا مجرب.
حين الإلقاء تقف وتواصل، ترفع وترقق، فيفهم السامع الكثير من المراد من خلال هذا الإلقاء.
ترداد بعض الأبيات أو جزء منها له دور مهم في تأكيد محاور القصيدة، فالقصيدة لها محاور ارتكاز تؤوب كثير من المعاني إليها، فهي مدار همّ الشاعر ومصدر هواجسه وانفعالاته، وهذه تبين وتُكشف من خلال عملية الإلقاء.
ومما يدركه كل متذوق للعربية علاقة اللفظ بالمعنى عمومًا، وفي الشعر هناك علاقة بين البحر ومقاصد الشاعر، وبين الروي وهذه المقاصد كذلك، وإنشاد الشعر ونغمة صوت الملقي تفصح عن بعض هذا أو كله، فالشعر تتألق حياته وتنتعش أطرافه بالصوت الجميل الذي يصاحب القراءة من عالِم بمعانيه متذوق لأسراره، ولا أظن أحد في تاريخنا الشعري كله كتب قصيدة وسادت بين الناس عن طريق الكتابة فقط من غير إلقائها، فإن هذا يتنافى مع طبيعة الشعر ومقاصده وأهم خصاله، وأما ما يفعلونه اليوم من كتابة الدواوين ثم إصدارها هكذا مرة واحدة فهو أمر يعد من أسباب تدمير الشعر وتذوقه وإعراض جمهور الناس عنه، هذا إن عُدّ ما يكتبونه شعرًا، ولذلك اشتهر اليوم بعض الشعراء ليس لفضلهم على من لم يشتهر ولكن لوجود مجالس إلقاء لشعرهم ولإلقائهم هذا الشعر بطريقة تجذب السامعين بخلاف من يكتب ولا يلقي.
والشعر لا يمكن تذوقه بقراءة الكثير منه دفعة واحدة، بل لو أردت مثلًا أن تقرأ للمتنبي فاختر قصيدتين أو ثلاثة على أكثر الاحتمالات، وابدأ بترديدها والتمعُّن فيها، وأَدِرها على لسانك وعقلك مرات، أما قراءة الشعر كما تقرأ بقية الكتب فهذا شيء غريب عن الشعر وقراءته.
وإنه مما يعين على تذوق الشعر عند قراءته هو قراءته من خلال حدثه؛ أي دمج الشعر مع قصته وحادثته، فلو أنك قرأت معلقة امرئ القيس مع قصتها أو قصصها لوقعت في نفسك موقعًا أجمل وأحلى، ولذلك حرص شراح الشعر قديمًا تقديم القصيدة مع سببها ليكشف لك معناها أكثر ويعينك على تذوقها.
ومن المقويات على قراءة الشعر هو قراءة الشعر من خلال عيون النقاد؛ فإن النقد في حقيقته -قبل أن يحيله النقاد الكذبة غبار كوكائين، ورحم الله الدكتور مصطفى هدارة فإنه من أواخر من كان يعلّم قارئه معاني الشعر ونقده- كشف للمستور، وحديث عن المسكوت، وإبانة للمخفي، فلو قرأت ما كتبه