فهرس الكتاب
المعري عن المتنبي في (معجز أحمد) أو عن البحتري في (عبث الوليد) فإن قراءتك لشعرهما بعد ذلك تصبح أكثر وعيًا وإدراكًا لهذا الشعر، وكذلك الكتب التي اعتنت بالشعر ككتب الموازنة؛ كموازنة الآمدي بين الطائيين أبي تمام والبحتري، وكتب الأدب كـ (البيان والتبيين) و (العقد الفريد) و (الكامل) وغيرها -من غير إطالة في ذكر الأسماء-.
وهناك دراسات للمتأخرين من أهل هذه العصور رائعة جميلة تعيين قارئ الشعر ككتابات العقاد عن أبي نواس والمعري وغيرهما كابن الروحي، وما كتبه الشيخ شاكر عن المتنبي وهذا باب واسع في المؤلفات والكتب نذكر منها بعض ذرات غبارها للتمثيل.
وحتى لا يفوتني نسيانًا فإني أَشيد بكتاب قليل الانتشار لكنه من أفضل الكتب التي قرأتها للمتأخرين من أهل هذا العصر وهو (تاريخ الشعر العربي) ، وهو بهذا العنوان لمحمد نجيب البهبيتي، وهذا الرجل لم أسمع عنه قط ولا أعرف عنه أي خبر ولم أقرأ له أي ترجمة إلى الآن، مع أن كتابه هذا وكتابه الآخر عن أبي تمام يدلان على علو كعبه وقوة نظره وتميزه الشديد عن جهالات أهل هذا العصر، وكتابه (تاريخ الشعر العربي) درّة من الدُّرر، وقلَّما رأيت كتابًا للمعاصرين إلا وكان أوله مثيرًا أكثر من آخره إلا هذا الكتاب فإنك تدخل فيه فتحس بصوت خفيض، ثم كلما واصلت ارتفع الصوت والصَّخب العلمي العجيب.
وبقيت مسألة تتعلق بغناء الشعر وهي من طقوس قراءته؛ فإن سماع الشعر بغناء المنشدين أو بمصاحبة ما جاز كالدف؛ فهذا أمر معلوم مشتهر، لكن حرمة الأدوات الموسيقية الأخرى هو الصواب ولا التفات لغيره، وسيأتي في نهاية ذكر طقوس القراءة كذلك موضوع مصاحبة سماع الموسيقى مع القراءة وأثره السيء على الفهم -إن شاء الله تعالى-، مع عدم التطويل.
أما طقس قراءة القصص والروايات فله صور متعددة، فإن أشهر ما نعرفه في حياتنا هو إلقاء جداتنا وأمهاتنا للحكايا في الليل ونحن تحت الفراش، ومع صوتها الخفيض كانت أحلامنا تسبح مع كلمات الجدة والتي كنا نظنها أعلم من في الأرض، وقد حظيتُ أنا مع هذه القراءة بميزة أخرى:
فبيتنا لم يكن إلا غرفة واحدة في عراء، بُنيت في عمان- الأردن بعد أن ولدت في بيت ساحور في فلسطين، وولادة شقيقي الأكبر والذي يكبرني بعامين، وكان عمري ثلاث سنوات ورحلنا، وقد كان لوالدي عمة ضريرة اسمها عائشة وهي لنا جدة، ولصعوبة العيش في هذه الغرفة الوحيدة اشترى والدي بيتًا من صفيح يسمى في العامية"زينكو"قد تحول إلى الأحمر لصدئه، وهناك كنت أنا وأخي ننام في حضن هذه الجدة المباركة، جدة صارمة عاشت حياة قاسية من كل الجوانب، وكان أشد ما نلاقي منها هو رفعها اللحاف الثقيل عنا في وسط الليل البارد جدًا من أجل بسطه علينا جميعًا، فإننا كنا في عبثنا خلال استغراقنا في النوم، وعبث الصغير في نومه عجب من الأعاجيب، ولو قيل لي يومها أن هناك من ينام على سرير لما صدقت، فكيف ينام أحد على سرير ولا تتحطم عظامه من السقوط عنه!