فهرس الكتاب
وجدتي هذه كان لها لحاف ثقيل بمعنى الكلمة، مع أن كل أَلْحُفة البيت ثقيلة، لكنه ثقيل أكثر من الثقل ذاك، كان لهذا البيت من الصفيح فوائد رائعة، فهو بيت لا يفصلك أبدًا عن طقس الحياة، فمع المطر تسمع القطرات الجميلة أخّاذة على ظهره، ويا له بحق صوت نفقده مع البيوت الأخرى، في البرد تحس بروعة الدفء لأنك تكون حينها تعيش بحق مع طبقتين، تشعر بالدفء لكنك تحس بوجود البرد، وحينها يكون للدفء متعته العظيمة إذ تشعر بوجوده مقارنًا لخصمه، فتشكر له هذا الوجود.
كنت أنام في وسطهما -جدتي وشقيقي- ومع هذا الجو الساكن بلا سكون، الهادئ بصخب داخلي كانت جدتي عائشة تلقي علينا حكايا الليل.
كانت بريئة وساذجة، وفي أغلب الأحيان كنا نطلب المزيد فتقهرنا:"ناموا، خلاص"، ولذلك أعجب وإلى الآن أن ينام الطفل على صوت الحكايا، فالحكايات توقظني لا تُنيمني.
إني أدرك الآن أنّ ما وُجد عندي من خيال ومن التصاق بالتاريخ ومن هيام عائلي إنما ولدته طقوس تلك الحكايات، لا أقول الحكايات فقط لكن طقوسها.
الليل وظلمته الكاملة، الأجساد البريئة المتلاصقة، اللحاف الثقيل ثقلًا ما زلت متأثرًا به إلى اليوم في نومي، وبيت الصّفيح الذي يُسكنك لكنه يُذكّرك بأنك"لاجئ"ولك أرض هناك، وجدة -شهد الله- جعلتني دائم السؤال والاهتمام بالعائلة: من أنت؟ أين جدي؟ ماذا تكون لك جدتي صفية؟ -وهي أم أبي وكان أغلب عيشها في بيت عمي؛ لأنها القاعدة الفلسطينية أن الأم تعيش عند الأخ الأكبر-.
والجدة هذه لم تكن تحفظ الكثير من القصص الخيالية، فإني لا أذكر أنها حدثتنا إلا بقصتين وربما يوجد ثالثة، إنما كانت حكاياها حقيقية، من قريتها"دير الشيخ"والقرى المجاورة، وما زلت إلى الآن أحفظ أسماء كثير من القرى الفلسطينية حول قريتنا ما أخذتها إلا من فمها الطاهر.
بقيت هذه الجدة الطاهرة الجميلة، وكانت عجبًا في بياضها وطولها مع قسمات وجه عريضة، حتى عمّرت وربما تجاوزت المائة سنة، تصحو قبل الفجر كل يوم تصلي، وتنام بعض لحظات في النهار وهي جالسة جلسة القرفصاء، حتى كنت ذات ليلة بعد زواجي بشهور جالسًا في غرفة معها ومع زوجتي-وقد كبر البيت وصار فيه خمس غرف- وهي نائمة، مع أنه كان لي بيت مستقل، ولم تكن تكُفّ بنداءاتها علينا:"بلاش غوشة قوموا ناموا"، ونرد على أنفسنا بالابتسام.
في منتصف الليل قامت من أجل حاجتها، وكانت المسافة القصيرة بين الحمام ولحافها الحبيب الثقيل مشية البطة، وبعد أن قطعت نصف الطريق راجعة سقطت ميتة وهي تهلِّل الله وتوحِّده ..
وعندما قرأت كلمات مريد البرغوثي عن جدَّته"سته"رأيت أن القلب واحد:
في يومها الأخير
جلس الموت في حضنها