الصفحة 66 من 171

والدي مرة:"إن من عجائب ما كان يقع أنه ما لو وقع عنترة في الأسر مثلًا ثم قطع الراوي الحكاية مؤجِّلًا الإتمام لغد، فإن الجلوس يغضبون ويرفضون القيام حتى يُخرج الراوي عنترة من الحبس"!

هذا الإنسان وهذه عجائبه وهو طفل حتى الممات.

قرأت الكثير من المسرحيات والروايات، قرأْتها في طفولتي باحثًا عن القصة والحكاية، وقرأتها بعد ذلك باحثًا عن"الفكرة"، وماذا يخفي الكاتب وراء حكايته، وإن أول ما أدركت أن وراء الكاتب"عقيدة"و"فكرة"أنه كان في المدرسة الثانوية الحكومية التي انتقلت إليها من مدرسة وكالة الغوث نخبة مسرح كوّنها أستاذ نشيط سامي الخُلُق اسمه"محمد ملص"-وهو غير المخرج السوري"محمد ملص"-، كان يقوم من خلالها بعدة أنشطة، دخلت فيها أول يوم انتقلت فيه إلى هذه المدرسة، فقد مثلت دور المهرج في (الملك لير) في فصل واحد من فصول المسرحية، وقد ساعدته بعد ذلك في إخراج قصة (حديقة الحيوانات) للإنجليزي"جورج أورويل"والذي ثبت بعد ذلك أنه كان جاسوسًا ضد أصحابه المثقفين، وقد أعدَّها إعدادًا مسرحيًا، وقد عُرضت عدة مرات في مدارس متعددة وفي بعض مبارات الأطفال، وقد استقال الأستاذ بعد ذلك من التدريس احتجاجًا على اتهامه بأنه كان سببًا لتَدنِّ علامات الطلاب في اللغة الإنجليزية، وهذا بعد تركي للجنة المسرح حيث صرت مهمومًا بهموم جماعة التبليغ في آخر أيام الصف الأول الثانوي، وقد عُيِّنت قبل ثلاث أشهر مديرًا للجنة المسرح قبل تركها، وقد كان في اللجنة قبلي شاب ذكي اسمه"محمد جمال"رأيت اسمه بعد ذلك من مُعدِّي الأفلام الكرتونية الرائعة كـ"محمد الفاتح"و"رحلة سلام"وغيرهما.

في منتصف العام الدراسي طلب مني الأستاذ محمد ملص أن أُلقي محاضرة عن مسرحية"محمد"- صلى الله عليه وسلم - لتوفيق الحكيم، وذلك مشاركة مع مدير المدرسة الأستاذ مصطفى الشاعر، وهذا المدير كان عضوًا من قدماء حزب التحرير إلا أنه سُجن ولم يُعفَ عنه حتى أعلن براءته من الحزب على طريقة كانت دائرة الإجرام المخابرات الأردنية تفعلها معهم، إلا أنه ظل حزبيًا إلى العمق وكان يخطب الجمعة ولا يقول فيها إلا أفكار الحزب، وكان ممن كتب المناهج الدينية للمدارس الثانوية.

في هذه المحاضرة تكلمت كلامًا ساذجًا سطحيًا عن المسرحية لمدة لا تزيد عن ربع ساعة، أُقلِّب فيها نظري بين الحضور وبين ورقة في يدي محاولًا أن أُظهر أني أتحدث عن نفسي، والارتعاش الداخلي يهزّ كل عظمة وعضلة منِّي. وكنت قد بدأت أنا في الكلام، ثم كان كلام مدير المدرسة مصطفى شاعر، وهناك بدأ الكلام عن توفيق الحكيم ومنهجه، وماذا أراد من هذه المسرحية. وأفراد حزب التحرير صغارهم شيء عجب، فكيف بواحد كالأستاذ الشاعر، وإني ما زلت إلى الآن أذكر بعض كلماته ومفاهيمه عن التدين الذي صنفه توفيق حكيم في سيرة النبي - صلى الله عليه وسلم - من خلال مسرحية"محمد"، ومما أذكر أنه عَرَّض بي وبطرحي الساذج المسكين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت