فهرس الكتاب
وتهل السماء ترسل نورًا ... ما الشموس منها تميت هلالا
وتعالي يا ابنتي أحكي إليكِ ... فكم فعل الآخر كالأوَّلَ
ومما لاشك فيه أن تسجيل هذه الذاكرة والتاريخ صناعة تحتاج إلى مال للنشر وقُرّاء يتابعون ويشجعون، وهذا قليل في مجتمعاتنا، وما يُشجع اليوم هو ما ترعاه مؤسسات"لقطاء الفكر"وخاصة الفرنسية والأمريكية حيث الاهتمام مُنصَب على تعهير المرأة وإفساد الذوق العام، وتسجيل التجارب الشاذة، كسيرة اللوطيين، ويسمونهم تهوينًا لشأنهم بـ"المثليين"وهذا مما أخبر عنه النبي - صلى الله عليه وسلم - عن الخمر: (يسمونها بغير اسمها) ، وسيرة السحاقيات وعشاق الحمير والكلاب، ومعاناة الساقطين والساقطات كالزناة في مجتمعاتنا، فمثل هذه الأمور هي التي تجد التشجيع وتُرعى بالنشر والترجمة.
ومع ذلك فإن الحرف الطاهر يبقى وهو الأصل {وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ} ، ولكنه حرف يحتاج إلى تضحية وشهادة، وهناك طرق عديدة لنشر هذا الحرف الطاهر متجاوزًا ظروف القتل والتضييق والإلغاء لو صَفَتِ النِّيات وشغّلنا عقولنا قليلًا.
وأما طقوس أعظم القراءات وأجلها وأعمقها -هي القراءة الدينية-؛ فإن أعظم مَن مارسها هم الذين نقلوا لنا هذه القراءة وهذه الكتب، وهم سلف هذه الأمة من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى من بعدهم، أخذوها عيانًا من النبي - صلى الله عليه وسلم - ومن خلال تجاربهم وفهمهم لحقيقة هذا الدين.
هذه القراءة مقصودها تحقق العلم؛ النور، الهداية، العلم بالله تعالى، وبرسله وبالحقائق الكونية من عالمي الغيب والشهادة، وبالخبر الإلهي مما حدث في الماضي وما سيحضر في الآتي، وبالأعمال والأقوال التي يحبها الله وتحقق للإنسان سعادته لحكمتها وموافقتها لسنن الحياة، وبالأعمال والأقوال التي يبغضها الله وهي سبب شقائه وعنته.
فهي قراءة تحفُّها الهيبة والجلال من جوانب عدة، سواء حين تدرك أن ما بين يديك هو كلام الله، فالكلمة هنا هي كلمة الله، لها فضل على سائر الكلام كفضل الله على خلقه، تكلَّم بها الرب وسمعها منه أمين الوحي، وحين حملها كان للملائكة تسبيح وتعظيم لجلال ما يحمل، محلها القلوب أولًا لأنها لو نزلت على الجبال لتصدّعت الجبال خشية منها، فالأرض ليست آلة وعيها وحملها، بل هي القلوب العاقلة.
أو حين تدرك ما يترتب على هذه الكلمات من أثر، فهي محور حياة البشرية؛ من أجلها قامت سوق الجنة والنار، ومن أجلها بُعث النبيون، ومن أجلها خُلقت السماوات والأرض، ومن أجلها رُفعت راية الجهاد، فسارت أبطح الأرض سيول جيوش، فأريقت الدماء وبذلت المهج، وفارق الحبيب حبيبه، والإنسان موطنه، وقاتل الرجل أباه وأبنه وأخاه وعمه وعشيرته.