الصفحة 70 من 171

أو حين تدرك أن السعادة لا تكون إلا بها، والاطمئنان لا يأتي إلا معها، واجتناء الخير لا يكون إلا من ثمارها.

أو حين تدرك تاريخ هذه الكلمة، وكم بُذل فيها من جهود وتضحيات ودماء وعرق وسهر وجوع وخوف وتشريد وسجن حتى وصلت إليك، ففي كنف المعاناة مشت ونمت وتمددت، وفي غمرات الصِّعاب والأهوال حملها الأجداد للأبناء، جللتها الأرواح، وسقتها الدماء، ورطبها الفداء والتضحية، وعطرها زجل المسبحين ودمع الخاشعين المخبتين.

أو حين تدرك عمق ما تحمل من علم، فهي لا تبلى مع كثرة النظر، ولا تُملّ من كثرة الترداد، فإنها وإن انتهى تنزيلها؛ تنزُّلاتها لا تنتهي: تنزُّلات العلم والنور والهداية والأجر والثواب.

وهي قراءة يحفها الجمال؛ جمال الطلاوة التي أحسها العربي وهي تسري في بدنه.

جمال الحرف وإيقاعه اللذيذ على الآذان والأنفس.

جمال المعنى وقيمه التي تمتطي ظهر هذا الحرف.

جمال الحجاج الذي لا يقطع المخالف فقط بل يحببه ويهديه كذلك.

جمال النور الذي يغشى القلب فيطربه طرب الجبال لا خفة الذباب.

وإن التفتَّ قليلًا رأيت الحب والرحمة؛ فالرب يخاطبك رحمة بك، خطاب الاعتبار:"يا أيها الإنسان"،"يا أيها الناس"، وخطاب الحكم الرائق اللذيذ:"يا أيها الذين آمنوا"، وخطاب الترغيب المحبب:"يا عبادي"، فماذا تكون ومن تكون فإليك النداء.

وهي قراءة الامتحان والابتلاء؛ امتحان لإنسانيتك التي يجب أن تتجرد من الكبر والغرور، وامتحان لعقلك ليتجرد من الوهم والخرافة، امتحان لمداركك في عمقها وفهمها عن الله. وامتحان لعبوديتك؛ تلك الصفة اللازمة لك ولكل إنسان، فإما أن تكون عبدًا لله أو عبدًا لغيره. وامتحان الإرادة هل بلغت الفعل أم هي أسيرة الشهوات والهوى.

وهي قراءة الأجر والثواب؛ فأنت فيها تجني وتبني هناك في عالم الغيب قصورك وبيوتك ومساكنك، فتطير بك نفسك إلى منازلك الأولى رجاء أن تكون المستقر وختام الرحلة.

وهي قراءة الانتماء؛ انتماء للرب: {كُونُوا رَبَّانِيِّينَ} ، وانتماء لخير مسيرة في الوجود من آدم إلى نوح إلى هود إلى صالح إلى إبراهيم واسماعيل وإسحق ويعقوب ويوسف والأسباط وموسى وهارون ويونس وأيوب وداود وسليمان وعيسى ويحيى وزكريا إلى محمد -صلى الله عليهم جميعًا-.

ثم انتماء إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وأبي عبيدة وآلاف من خير ما أنجبت البشرية من رجال بعد الأنبياء، قراءة تخوض فيها مع التاريخ؛ تاريخ الصراع بين الحق والباطل، بين جند الله وجند الشيطان، وأنت من خلالها تحس بهذه الصلة وهذا النسب والانتماء.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت