الصفحة 73 من 171

ثم إلى ق، وهذه ثلاث عشر سورة.

ثم إلى آخره ...

-وقال ولي الله الدهلوي صاحب (الحجة البالغة) :"أوصاني أبي أن أقرأ القرآن وكأنه عليّ ينزل".

فأنت المخاطب به لا غير، والنداء لك لا لغيرك، وإن سمعت"يا أيها الذين آمنوا"فأصغِ بسمعك فإنما هو أمر لك لتعمل به، أو خبر لك لتعلمه، أو أجر لك لتسعى إليه.

وحين تفهم كأنه نزول على قلبك فتمعن به وتدبر وكأن الكل تابع لك فتلقى منه وحده، ثم قوّم فهمك بعد ذلك بعرضه على فهم النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه والتابعين.

-قال بعضهم:"ليكن لك قراءتان: قراءة الأجر تسير فيها لتأخذ الحسنات، وقراءة التدبر"؛ فإن عمر بن الخطاب مكث عشر سنين وهو يحفظ في البقرة، يقف عند كل آية، يعلم معناها، ويعمل بها، وهكذا تكون هذه القراءة تستغرق الحياة، الحياة كلها.

-يقول المصطفى - صلى الله عليه وسلم: (لم يأذن الله لنبي ما أذن لنبي أن يتغنى بالقرآن) .

وهل هناك من كلام يستحق الغناء كما يستحق كلام الله؟!

فالصوت الجميل مع الغناء الجميل مع كلام الجليل يحصل المقصود.

(يا أبا موسى لقد أُوتيت مزمارًا من مزامير آل داوود) .

وإن هناك ممن يقرأ كلام الله تعالى بترجيع وغناء وكأنه يفسِّره، يكشف لك حلاوته ومعانيه ويوصل إلى قلبك الخشوع واللين، إلى جلدك القشعريرة.

-قال تعالى: {وَرَتِّلِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلًا} ، وهذا الترتيل علم واجب على كل مسلم، وهو الذي يقال له"علم التجويد"؛ أي تجويد القرآن، حيث يتعلم المرء فيه مخارج الحروف، وفقه الوقوف على المعاني، وهو علم تناقلته الأمه مع القرآن، ودليله هو دليل رواية القرآن، ورواته هم رواة القرآن، وقد كتب فيه من كتب حروف القراءات، وأثبتوه، مع أن مخارج الحروف في العربية علم سجله أهل اللغة، وكتب فيه سيبويه في (الكتاب) وهو أول كتاب في النحو واللغة، وسببه أن سيبويه- ومعناه رائحة التفاح- قال لنصر محمد الجهضمي:"تعال لنحيي علم الخليل"-أي الخليل بن أحمد الفراهيدي-، قال الجهضمي:"فنشط سيبويه وقصرت".

والخليل بن أحمد من مجددي الإسلام، وهو في مرتبة الشافعي عقلًا وإدراكًا، فإن كليهما فقها الأصول؛ فالشافعي أعاد الفروع إلى الأصول في الفقه وكتب أجلَّ الكتب في العلم بعد كتاب الله وسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - كتاب (الرسالة) ، وهو الذي كان يسميه معاصروه كأبي عبيد القاسم بن سلَّام"كتاب السِّحر"، وكان ينظر فيه أحمد بن حنبل ويتعجب، مع كراهة أحمد لكل كتاب سوى الرواية. وكذلك الخليل فإنه أعاد الفروع إلى الأصول في الشعر فكانت البحور فهو صاحبها وابن بجدتها وإمامها، وهو إمام العرب في كتابة المعاجم، حيث كتب (العين) وإن كان هناك من يشكك في نسبته له،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت