فهرس الكتاب

الصفحة 49 من 82

عن الخطأ من الفرد في الأغلب، والخطر على الأمة في تفويض أمرها إلى رجل واحد أشد وأكبر.

فالله سبحانه وتعالى يأمر نبيه بالشورى في الموضع الذي كان للشورى ـ في ظاهر الأمر ـ نتائج سلبية، يأمره أن يشاورهم كما كان يشاورهم ولا يتأثر بالنتائج أي نتائج الموقف الذي وقع يوم أحد من أجل إبطال هذا المبدأ فهذا المبدأ لا يقوم نظام الإسلام على أساس سواه .. وإقرار المبدأ, وتعليم الجماعة, وتربية الأمة, أكبر من الخسائر الوقتية.

الإسلام في هذه الفترة كان ينشئ أمة, ويربيها, ويعدها لقيادة البشر. وكان الله - عز وجل - يعلم أن خير وسيلة لتربية الأمة وإعدادها للقيادة أن تربى بالشورى، وأن تدرب على تحمل التبعة, وأن تخطئ ـ مهما يكن الخطأ جسيما وذا نتائج سلبية مريرة ـ ولكن لتعرف كيف تصحح خطأها, وكيف تحتمل تبعات رأيها وتصرفها. فإنها لا تتعلم الصواب إلا إذا زاولت الخطأ، والخسائر لا تهم إذا كانت الحصيلة هي إنشاء الأمة المدربة والمدركة المقدرة للتبعة والمسؤولية، ومحاولة اختصار الأخطاء والعثرات والخسائر في حياة الأمة ليس فيه شيء من الكسب لهذه الأمة, إذا كانت نتيجة هذه المحاولة أن تظل هذه الأمة قاصرة كالطفل تحت الوصاية، إنها في هذه الحالة تخسر نفسها, وتخسر وجودها, وتخسر تربيتها, وتخسر تدريبها على الحياة الواقعية.

بل لو كان وجود القيادة الراشدة في الأمة ممثلة في رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسد مسد مزاولة الشورى لكان وجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه الوحي من الله - عز وجل - ـ كافيا لحرمان الصحابة يومها من حق الشورى! ـ بخاصة على ضوء النتائج السلبية التي صاحبتها في ظل الملابسات الخطيرة في وقعة أحد، وهي حديثة النشأة .. ولكن وجود رسول الله عليه الصلاة والسلام والوحي الإلهي معه، ووقوع تلك الأحداث, مع تلك الملابسات, لم يكن مبررا لإلغاء هذا الحق. وهذه الشعيرة لأن الله سبحانه وتعالى يعلم أنه لا بد من مزاولة هذه الشعيرة التي هي الشورى, ومهما تكن النتائج .. لأن وجود الأمة الراشدة مرهون بهذا المبدأ.

وفي الاستشارة من الفوائد والمصالح الدينية والدنيوية ما لا يمكن حصره وليس المقام يتسع لبسطه. ولكن نقول من فوائد الشورى أنها من العبادات المتقرب بها إلى الله - عز وجل -.

ومن فوائدها: أن فيها تطييبا لخواطر المستشارين، وإزالة لما يصير في القلوب عند الحوادث، فإن من له الأمر على الناس ـ إذا جمع أهل الرأي: والفضل وشاورهم في حادثة من الحوادث- اطمأنت نفوسهم وأحبوه، وعلموا أنه ليس بمستبد عليهم، وإنما ينظر إلى المصلحة الكلية العامة للجميع، فيبذلوا جهدهم ومقدورهم في طاعته، لعلمهم بسعيه في مصالح العموم، بخلاف من ليس كذلك، فإنهم لا يكادون يحبونه محبة صادقة، ولا يطيعونه طاعة تامة.

ومن الفوائد: أن في الاستشارة تنوير الأفكار، بسبب إعمالها فيما وضعت له، فصار في ذلك زيادة للعقول .. إذ أن علوم الخلق متناهية، فلا يبعد أن يخطر ببال إنسان من وجوه المصالح مالا يخطر ببال غيره .. فتصير الأرواح متطابقة متوافقة على تحصيل أصلح الوجوه، وتطابق الأرواح الطاهرة على الشيء الواحد مما يعين على حصوله.

كذلك من فوائدها: أن ما تنتجه الاستشارة من الرأي: المصيب، فإن المشاور لا يكاد يخطئ في فعله، وإن أخطأ أو لم يتم له مطلوبه، فليس بملوم، فإذا كان الله سبحانه وتعالى يقول لنبيه - صلى الله عليه وسلم - وهو أكمل الناس عقلا، وأغزرهم علما، وأفضلهم رأيا: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} فكيف بغيره من الناس؟!

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت