ثم يقول الله سبحانه لنبيه: {فَإِذَا عَزَمْتَ} أي: على أمر من الأمور بعد الاستشارة فيه، {فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّه} أي: اعتمد على حول الله - عز وجل - وقوته، متبرئا من حولك وقوتك، لأن الله سبحانه {يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} يحب المتوكلين عليه، اللاجئين إليه .. فينصرهم ويرشدهم إلى ما هو خير لهم كما تقتضيه المحبة ..
إذ أن التوكل علامة صدق الإيمان وفيه ملاحظة عظمة الله وقدرته وفيه اعتقاد الحاجة إلى الله وعدم الاستغناء عنه وهذا أدب عظيم مع الخالق يدل على محبة العبد ربه ولذلك أحبه الله - عز وجل -.
العزم على الفعل وإن كان يكون بعد الفكر وإحكام الرأي والمشاورة وأخذ الأهبة، فهذا كله لا يكفي للنجاح إلا بمعونة الله تبارك وتعالى وتوفيقه، لأن الموانع الخارجية له والعوائق دونه لا يحيط بها إلا الله سبحانه، فلا بد للمؤمن من الاتكال على الله والاعتماد على حوله وقوته.
ومن أحبه الله سبحانه وتعالى عصمه من الغرور باستعداده، والركون إلى عدته وعتاده، والبطر الذي يصرفه عن النظر فيما يعرض له بعد ذلك حتى لا يقدره قدره ولا يحكم فيه أمره، فبدلا من أن يكون نظره في الأمور بعين العجب والغرور واستماعه لأنبائها بأذن الغفلة والازدراء ومباشرته لها بيد التهاون تراه يلقي السمع وهو شهيد، وينظر بعين العبرة فبصره حينئذ حديد، ويبطش بيد الحزم فبطشه قوي شديد، ذلك بأنه يسمع ويبصر ويعمل للحق لا للباطل الذي يزينه الهوى ويدلي به الغرور، وإذا صدق التوكل على الله - عز وجل - كان ذلك سببا لمحبة الله تبارك وتعالى والله - عز وجل - يقول في الحديث القدسي: (فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها) .
والآية صريحة في وجوب إمضاء العزيمة المستكملة لشروطها ـ وأهم شروطها في الأمور العامة حربية كانت أو سياسية أو إدارية المشاورة ـ وذلك أن نقض العزيمة ضعف في النفس وزلزال في الأخلاق لا يوثق بمن اعتاده في قول ولا عمل، فإذا كان ناقض العزيمة رئيس أو قائد جيش، كان ظهور نقض العزيمة منه ناقضا للثقة بإدارته وجيشه، ولا سيما إذا كان بعد المشاورة والشروع في العمل، ولذلك ل النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يصغ إلى قول الذين أشاروا عليه بالخروج إلى أحد حين أرادوا الرجوع عن رأيهم خشية أن يكونوا قد استكرهوه على الخروج ـ وكان قد لبس لأمته وخرج ـ وذلك شروع في العمل بعد أن أخذت الشورى حقها ـ كما تقدم ذكره ـ فعلمهم النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك أن لكل عمل وقتا وأن وقت المشاورة متى انتهى جاء دور العمل، وأن الرئيس إذا شرع في العمل تنفيذا للشورى لا يجوز له أن ينقض عزيمته ويبطل عمله، وإن كان يرى أن أهل الشورى قد أخطئوا الرأي - كما كان يرى عليه الصلاة والسلام - في مسألة الخروج إلى أحد- ويمكن إرجاع ذلك إلى قاعدة ارتكاب أخف الضررين، وأي ضرر أشد من فسخ العزيمة وما فيه من الضعف والفشل وإبطال الثقة؟ ..
وفتح باب نقض النقض .. مع العلم أن الهزيمة لم تكن بسبب الخروج وإنما بسبب معصية الرماة ..
في أحداث أحد ألقى النبي - صلى الله عليه وسلم - درسه العظيم وهو يعلم الأمة الشورى, ويعلمها إبداء الرأي, واحتمال تبعته بتنفيذه, في أخطر الشؤون.
كذلك ألقى على الأمة درسا في المضاء بعد الشورى وفي التوكل على الله - عز وجل - والاستسلام لقدره ..