إذا أراد غزوة ورّى بغيرها؟ ولماذا كان يأخذ بمبدأ: «الحرب خدعة» ؟.
ماذا كان يحدث لو تردّد قبل معركة (بدر) ، عندما رأى المشركين متفوّقين على أصحابه بالعدد والعدد؟
ماذا كان يحدث لو استسلم لليأس في معركة (أحد) عندما خالف الرماة أمره وتركوا مواضعهم لجمع الغنائم، وطوقته قوات المشركين المتفوقة من كل جانب؟ .. وكسرت رباعيته وشج في جبهته وخسر سبعين من أبطال المسلمين في هذه المعركة؟.
ماذا كان يحدث لو ضعفت مقاومته للأحزاب في غزوة الخندق، وبخاصة بعد خيانة يهود، حين أصبح مهددا من خارج المدينة المنورة ومن داخلها؟
ماذا كان يحدث لو لم يثبت الرسول - صلى الله عليه وسلم - مع عشرة فقط من آل بيته والمهاجرين بعد فرار المسلمين في غزوة (حنين) ؟.
وأي استعدادات بلغت من الإحكام والدقة في التفاصيل، ما بلغته استعدادات الرسول - صلى الله عليه وسلم - لتجهيز جيش العسرة ..
لماذا كل هذا الحذر الشديد والاستعدادات الدقيقة .. ؟
إن النصر من عند الله، ما في ذلك شك، ولكن الله لا يهب نصره لمن لا يعد كل متطلبات القتال .. والحرب تحتاج إلى الرأي حاجتها للشجاعة .. ومن تأمل مغازي النبي ومغازي أصحابه من بعده رأى لرأي دورا في تحقيق النصر لا يقل عن دور الشجاعة ... وقد قيل الرأي قبل شجاعة الشجعان .. فلكل فضيلة أس ولكل أدب ينبوع، وأس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل الذي جعله الله تعالى للدين أصلا وللدنيا عمادا .. قال الحسن البصري:"ما استودع الله أحدا عقلا إلا استنقذه به يوما ما".. ويقول الفجار يوم القيامة {لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} ..
إن كفاءة الرسول - صلى الله عليه وسلم - القيادية، وكفاءة أصحابه كجنود متميزين هي التي أمنت لهم النصر العظيم.
إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - لم تكن له جهات وقوات خارجية تسانده، عمل على نشر دعوته معتمدا على ربه، لقد تحمّل أشد الصعاب حتى كوّن له قوة بالتدريج ذات عقيدة واحدة وهدف واحد، هو التوحيد وإعلاء كلمة الله.
إن أعمال الرسول - صلى الله عليه وسلم - ومنها العسكرية- سنّة متبعة في كل زمان ومكان، والنتائج مرتبة على الأسباب .. والواجب أن نعد كما أعدوا ونجاهد كما جاهدوا ونصبر كما صبروا لننتصر كما انتصروا. إعدادا وجهادا وصبرا يقوده ويحوطه الإيمان بالله وحسن الظن بالله تعالى والثقة بوعده تعالى.
وعند النظر في سيرة الرسول يمكن تقسيم حياته - صلى الله عليه وسلم - من الناحية العسكرية إلى أربعة أدوار: دور الحشد، ودور الدفاع عن العقيدة، ودور الهجوم، ودور التكامل حين تكاملت قوات المسلمين فشملت شبه الجزيرة العربية كلها، وأخذت تتوسع فكانت غزوة (تبوك) .
بهذا التطوّر المنطقي تدرّج الرسول بقواته من الضعف إلى القوة، ومن الدفاع إلى الهجوم، ومن الهجوم إلى التعرّض، وبذلك أوجد قوة كبيرة ذات عقيدة واحدة وهدف واحد من لا شيء .. ويبقى قدوة لكل قائد مسلم يريد أن يعيد لأمته سالف عزها، ولينصرن الله من ينصره ..
ومما ينبغي الاهتمام به كجزء من سيرته - صلى الله عليه وسلم - مغازيه وهديه في إدارة الحرب .. وقد كان