الصفحة 25 من 47

المبحث الثاني

حوارات الْيَهُود

كَانَ الْأَحْبَارُ مِنْ الْيَهُودِ، قَدْ تَحَدّثُوا بِأَمْرِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم قَبْلَ مَبْعَثِهِ لَمّا تَقَارَبَ مِنْ زَمَانِهِ. مما وَجَدُوا فِي كُتُبهمْ مِنْ صِفَتِهِ وَصِفَةِ زَمَانِهِ، وَمَا كَانَ مِنْ عَهْدِ أَنْبِيَائِهِمْ إلَيْهِمْ فِيهِ [1]

فلما بُعِثَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وعلموا بما عندهم من علم أنه ذلك النَّبِيّ المنتظر كفروا به حسدًا وكبرًا وإيثارًا للعاجلة على الباقية.

وقد قال رجال من الأنصار"إنّ مِمّا دَعَانَا إلَى الْإِسْلَامِ مَعَ رَحْمَةِ اللّهِ تَعَالَى وَهَدَاهُ لَنَا، لَمَا كُنّا نَسْمَعُ مِنْ رِجَالِ يَهُودَ، وكُنّا أَهْلَ شِرْكٍ أَصْحَابَ أَوَثَانٍ، وَكَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، عِنْدَهُمْ عِلْمٌ لَيْسَ لَنَا، وَكَانَتْ لَا تَزَالُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ شُرُورٌ، فَإِذَا نِلْنَا مِنْهُمْ بَعْضَ مَا يَكْرَهُونَ قَالُوا لَنَا: إنّهُ قَدْ تَقَارَبَ زَمَانُ نَبِيّ يُبْعَثُ الْآنَ نَقْتُلُكُمْ مَعَهُ قَتْلَ عَادٍ وَإِرَمٍ، فَكُنّا كَثِيرًا مَا نَسْمَعُ ذَلِكَ مِنْهُمْ. فَلَمّا بَعَثَ اللّهُ رَسُولَهُ (أَجَبْنَاهُ حِينَ دَعَانَا إلَى اللّهِ تَعَالَى، وَعَرَفْنَا مَا كَانُوا يَتَوَعّدُونَنَا بِهِ، فَبَادَرْنَاهُمْ إلَيْهِ، فَآمَنّا بِهِ وَكَفَرُوا بِهِ، فَفِينَا وَفِيهِمْ نَزَلَ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ مِنْ الْبَقَرَةِ (وَلَمّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللّهِ مُصَدّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الّذِينَ كَفَرُوا فَلَمّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللّهِ عَلَى الْكَافِرِيْنَ ( [البقرة: 89] [2] ."

كان مقتضى علم اليهود السابق بمبعث النبي (ومعرفتهم بأوصافه أن يسارعوا إلى الإيمان به، ونصرة دعوته، إلا أن الأمر كان على النقيض من ذلك تماما، وجد النبي (منهم أشد العناد والتكذيب، حتى بلغ بهم حقدهم وحسدهم له صلى الله عليه وسلم أنهم كانوا إذا مروا عليه دعوا عليه بالموت موهمين أنهم يحيونه بالسلام، وكان نَبِيّ الرَّحْمَةِ صلى الله عليه وسلم يرفق بهم، رغبة في إيمانهم، ويترك مقابلتهم بمثل قولهم، بل نهى أم المؤمنين عائشة من الإغلاظ في ردها عليهم فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ الْيَهُودُ يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُونَ السَّامُ عَلَيْكَ، فَفَطِنَتْ عَائِشَةُ إِلَى قَوْلِهِمْ فَقَالَتْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ، فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا يَقُولُونَ، قَالَ أَوَلَمْ تَسْمَعِي أَنِّي أَرُدُّ ذَلِكِ عَلَيْهِمْ فَأَقُولُ وَعَلَيْكُمْ [3]

(1) السيرة النبوية لابن هشام: (1/ 234) .

(2) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 211) .: وانظر صحيح السيرة النبوية للألباني ص57

(3) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الأدب، باب الرفق في الأمر كله (10/ 463) (ح6024)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت