تناول هذا البحث بالعرض والتحليل حوارات النبي (مع أهل الكتاب معلمًا ومرشدًا لهم يبينُ لهم الحق، ويشفي قلوبهم من الشبه، ثم هو صلى الله عليه وسلم يدعوهم إلى توحيد الله عز وجل، والإيمانِ بنبوته، صلى الله عليه وسلم وينهاهم عن اتباع أهوائهم، والغلو في دينهم.
وقد حاول هذا البحث من خلال تتبع تلك الحوارات في السيرة النبوية صلى الله عليه وسلم التعرف على منهج النبي صلى الله عليه وسلم في حواراته مع أهل الكتاب، ليكون نهجه صلى الله عليه وسلم في هذه الحوارات نبراسًا لنا نقتدي به في حواراتنا مع الآخر.
هَلْ نَقْبَلُ الحِوَارَ مَعَ الآخَرِ أم نَرْفُضُه؟ وما مَشْرُوعِيَةُ الجَدَلِ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ؟ وما المَوْضُوْعَاتُ التِي يَنْبَغِي أنْ نَتَحَاوَرَ عَلَيْهَا؟ مَنْ نُحَاوِر؟ وَعَلَى أي شيءٍ نَتَحَاوَرُ؟ ومَا الغَايةُ مِنَ الحِوَارِ؟ أَسْئِلَةٌ مُتَعَدِدَةٌ تَتَعَلَقُ بِالحِوَارِ حَاوِلُ هَذَا البَحْثُ أَنْ يَتَلَمَسَ إِجَابَاتِهَا مِنْ خِلالِ عَرِضِ وَتَحْلِيْلِ حوارات النبي (مع أهل الكتاب.
حيث تعرض لمناقشة تلك القضايا من خلال قراءات متعددة في المصادر الإسلامية الأصيلة، ترتكز أساسًا على كتاب الله وما صح من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم.
تعرض البحث من خلال مباحثه الثلاثة لحوارات النبي صلى الله عليه وسلم مع أهل الكتاب من اليهود والنصارى.
وقد تبين لنا أنَّ الهدف العام من أهداف الحوارِ مَعَ أَهْل الْكِتَابِ هو الدَّعوةُ إلى دينِ الإسلامِ وبيان مَحَاسِنِهِ وفَضَائِلِهِ، وردُ شبهاتِ أَهْل الْكِتَابِ، وبيان ما اشتملت عليه كتبهم من بِشَارةٍ بالنَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، لم نجدْ مِنْ بين تلك الأَهْدَافِ دعوةً منه صلى الله عليه وسلم إلى التقاربِ مَعَ الْيَهُود أو مَعَ النَصَارَى، رغم توافر الأسبابِ الداعية إلى ذلك، لم نجدْ أيَّ أَثَرٍ لتقارب مَعَ أَهْل الْكِتَابِ لمواجهة الشركِ وأهلِه، بل على العكس من ذلك وجدنا أَهْل الْكِتَابِ يتقاربون مَعَ المشركين؛ لمواجهة الدعوة الإسلامية، ويتحينون الفرصة للقضاء عليها.
هاجر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، وهي محفوفة بثلاثة قبائل كبار من قبائل الْيَهُود، وقد قدموا على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم ودخل عليهم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بيوتهم ومجالس علمهم غير أن خطابه صلى الله عليه وسلم قد خلا معهم من أي لون من ألون التقارب الديني، وإنما دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى إسلام الوجه لله، والتوجه له وحده سبحانه بالعباده، ونهاهم عن الغلو في الدين، واتباع الأحبار والرهبان بالباطل.