الحوار السادس
دعوة إلى المُبَاهَلَةِ
لما انتشر الإسلام وذاع خبر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم بما أرسله من بعوث وسرايا، ومن كتب ورسل إلى الملوك والرؤساء جاءت الوفود إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم، لمبايعته على الإسلام أو لمهادنته ودفع الجزية، ومن تلك الوفود التي أتت إلى النَّبِيّ صلى الله عليه وسلموفد نَصَارَى نَجْرَان.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ:
وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلموَفْدُ نَصَارَى نَجْرَان، سِتّونَ رَاكِبًا، فِيهِمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ فِي الْأَرْبَعَةَ عَشَرَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ.
فَكَلّمَ رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ أَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ، وَالْعَاقِبُ عَبْدُ الْمَسِيحِ وَالْأَيْهَمُ السّيّدُ - وَهُمْ مِنْ النّصْرَانِيّةِ عَلَى دِينِ الْمَلِكِ مَعَ اخْتِلَافِ مَنْ أَمَرَهُمْ يَقُولُونَ هُوَ اللّهُ، وَيَقُولُونَ هُوَ وَلَدُ اللّهِ، وَيَقُولُونَ هُوَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. وَكَذَلِكَ قَوْلُ النّصْرَانِيّةِ. ...
فَلَمّا كَلّمَهُ الْحَبْرَانِ، قَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم أَسْلِمَا. قَالَا: قَدْ أَسْلَمْنَا قَالَ إنّكُمَا لَمْ تُسْلِمَا فَأَسْلِمَا. قَالَا: بَلَى، قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَك. قَالَ كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا مِنْ الْإِسْلَامِ دُعَاؤُكُمَا لِلّهِ وَلَدًا، وَعِبَادَتُكُمَا الصّلِيبَ وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ. قَالَا: فَمَنْ أَبُوهُ يَا مُحَمّدُ؟ فَصَمَتَ عَنْهُمَا رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلمفَلَمْ يُجِبْهُمَا.
فأنزل اللّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ وَاخْتِلَافِ أَمْرِهِمْ كُلّهِ صَدْرَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ إلَى بِضْعٍ وَثَمَانِينَ آيَةً مِنْهَا.
وذكر ابن إسحاق أنَّ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم لما َدَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ قالوا أَتُرِيدُ مِنّا يَا مُحَمّدُ أَنْ نَعْبُدَك كَمَا تَعْبُدُ النَصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَاذَ اللّهِ أَنْ أَعْبُدَ غَيْرَ اللّهِ أَوْ آمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ، فَمَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي اللّهُ وَلَا أَمَرَنِي؛ أَوْ كَمَا قَالَ. فأنزل اللّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمَا: (مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنّبُوّةَ ثُمّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: (بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (.
فَلَمّا أَتَى رَسُولَ اللّهِ صلى الله عليه وسلمالْخَبَرُ مِنْ اللّهِ عَنْهُ وَالْفَصْلُ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، وَأَمَرَ بِمَا أُمِرَ بِهِ مِنْ مُلَاعَنَتِهِمْ إنْ رَدّوا ذَلِكَ عَلَيْهِ دَعَاهُمْ إلَى ذَلِكَ، فَقَالُوا لَهُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ دَعْنَا نَنْظُرْ فِي أَمْرِنَا، ثُمّ نَأْتِيك بِمَا نُرِيدُ أَنْ نَفْعَلَ فِيمَا دَعَوْتنَا إلَيْهِ. فانصرفوا عَنْهُ ثُمّ خَلَوْا بِالْعَاقِبِ وَكَانَ ذَا رَأْيِهِمْ فَقَالُوا: يَا عَبْدَ الْمَسِيحِ مَاذَا تَرَى؟ فَقَالَ وَاَللّهِ يَا مَعْشَرَ النَصَارَى لَقَدْ عَرَفْتُمْ أَنّ مُحَمّدًا لَنَبِيّ مُرْسَلٌ، وَلَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْفَصْلِ