الصفحة 6 من 47

-الطرف الأول: النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم يبين حقيقة دعوته بكل وضوح دون أدنى إبهام، داعيًا إلى توحيد الله تعالى، وإفراده بالعبودية، وهو الأساس الذي ينبغي أن ينطلق منه الحوار فإن قُبلَ، واتفق عليه المتحاوران كانَ الحوارُ مثمرًا، وكان قبولُ كلا المتحاورينِ لما هو دونه أحرى وأولى، وإن لم يتفقا عليه كان الحوارُ ضربًا من اللغوِ والعبثِ الذي لا فائدةَ منه.

-الطرف الثاني: وفد النَّصَارَى يسألون ليعلموا فلما علموا الحق سارعوا إلى الإيمان به والاستجابة له؛ وهذا من أهم ما ينبغي أن يتحلى به المحاور، وهو الرغبة في قبول الحق ممن جاء به والاستجابة له، وعدم الالتفات لغيره.

-الطرف الثالث: كفار قريش الذين اعترضوا الوفد، وأنكروا عليه قبوله لما جاء به النَّبِيّ (، وهذا هو موقف المعوقين وأصحاب المصالح والأهواء، لا يكلفون أنفسهم البحث للوصول إلا الحق، ولا الالتزام به إن علموه، وإنما يريدون فرض مذاهبهم التي تحفظ لهم مصالحهم، وكان رد هؤلاء المهتدين على أمثال أولئك المعوقين، هو الرد القويم الذي ينبغي أن يواجه به الجاهلون «سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نُجَاهِلُكُمْ لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ لَمْ نَأْلُ أَنْفُسَنَا خَيْرًا» ، وهو مصداق قوله تعالى"(لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (( الكافرون:6) ..."

الحوار الثاني

بين النجاشي وجعفر بن أبي طالب

لَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلممَا يُصِيبُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْبَلَاءِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الْعَافِيَةِ بِمَكَانِهِ مِنْ اللّهِ وَمِنْ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِمّا هُمْ فِيهِ مِنْ الْبَلَاءِ قَالَ لَهُمْ لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فإنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللّهُ لَكُمْ فَرَجًا فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلمإلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، مَخَافَةَ الْفِتْنَةِ وَفِرَارًا إلَى اللّهِ بِدِينِهِمْ فَكَانَتْ أَوّلَ هِجْرَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ [1] .

ولمَّا علمت قريشٌ باستقرار الْمُسْلِمِينَ في الحبشةِ وأمانهم فيها ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ أَنْ يَبْعَثُوا إلَى النّجَاشِيّ عَبْدَ اللّهِ بْن أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرو بْنِ الْعَاصِ في طَلبِهم. ومعهم الهدايا للنجاشي وبطارقته.

فلما كَلّمَا النجاشي أبى أن يسلمهم إليهما حتى يسمَعَ منهم، ثُمّ أَرْسَلَ إلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم فَدَعَاهُمْ فَلَمّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا.

(1) السيرة النبوية لابن هشام (1/ 321، 322) .، وانظر الفصول في السيرة لابن كثير (99، 100) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت