الصفحة 4 من 47

المبحث الأول

حوارات النَصَارَى

كان الرهبان من النَصَارَى يعلمونَ باقترابِ مبعثِ النَّبِيّ الخاتم للبشرية، وأنَّ الزمانَ الذي يعيشونَ فيهَِ هو موعدُ مبعث هذا المنتظر، ويعرفون مما ورد في كتبهم صفته ونعته كما قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( [البقرة آية:(146) ] .

ولما أرسل النَّبِيّ صلى الله عليه وسلمرسالة إلى هرقل ملك الروم قال بعد أن قرأها: «وَقَدْ كُنْتُ أَعْلَمُ أَنَّهُ خَارِجٌ، لَمْ أَكُنْ أَظُنُّ أَنَّهُ مِنْكُمْ» [1] .

ولقد أخبر سلمان الفارسي في قصة إسلامه الطويلة أنَّ راهبَ النَصَارَى في عمورية عندما حضرته الوفاة طلبَ منه سلمان أن يوصيه، فقال الراهب: «أَىْ بُنَىَّ وَاللَّهِ مَا أَعْلَمُ ما أَصْبَحَ عَلَى مَا كُنَّا عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ آمُرُكَ أَنْ تَأْتِيَهُ، وَلَكِنَّهُ قَدْ أَظَلَّكَ زَمَانُ نَبِىٍّ هُوَ مَبْعُوثٌ بِدِينِ إِبْرَاهِيمَ يَخْرُجُ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُهَاجِرًا إِلَى أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ بَيْنَهُمَا نَخْلٌ بِهِ عَلامَاتٌ لاَ تَخْفَى، يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ، وَلاَ يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمُ النُّبُوَّةِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَلْحَقَ بِتِلْكَ الْبِلادِ، فَافْعَلْ» [2] .

جدير بالذكر أن المتتبع لحوارات النَّبِيّ (مع النَصَارَى، لا يجد إلا قليلا مِنَ الحِِوَارَاتِ بالنسبة لحوارات الْيَهُود، فقد اتصل النَّبِيّ (بالْيَهُود اتصالا مباشرة بحكم استوطانهم للمدينة المنورة التي هاجر إليها صلى الله عليه وسلم، أما النَصَارَى فلم يكن لهم وجود يذكر بمكة ولا بالمدينة، الأمر الذي أدى إلى قلة الحوارات المباشرة مَعَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه مَعَ الفتح لابن حجر، كتاب بدء الوحي (1/ 44) (ح7) ، مسلم، كتاب الجهاد والسير باب كتب النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم (12/ 103) ..

(2) أخرجه أحمد في مسنده بسند حسن من طريق ابن إسحاق، وهو صدوق مدلس وقد صرح فيه بالتحديث، وبقية رجاله ثقات (39/ 140) (ح 23737) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت