الحوار الأول
مَعَ وفد النَصَارَى الذين أسلموا
كان موقف طائفة من مخلصي أَهْل الْكِتَابِ من النَصَارَى أنَّه لما بلغهم مبعث نبي في جزيرة العرب حتى بادروا إلى لقائه، ودرس أوصافه وأحوله، ثم آمنوا به بعد أن تحققوا من انطباقها على الأوصاف الثابتة له في كتبهم.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ (وَهُوَ بِمَكّةَ، عِشْرُونَ رَجُلًا أَوْ قَرِيبٌ مِنْ ذَلِكَ مِنْ النّصَارَى، حِينَ بَلَغَهُمْ خَبَرُهُ مِنْ الْحَبَشَةِ، فَوَجَدُوهُ فِي الْمَسْجِدِ فَجَلَسُوا إلَيْهِ وَكَلّمُوهُ وَسَأَلُوهُ وَرِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ فِي أَنْدِيَتِهِمْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ.
فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ مَسْأَلَةِ رَسُولِ اللّهِ (عَمّا أَرَادُوا، دَعَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ (إلَى اللّهِ (وَتَلَا عَلَيْهِمْ الْقُرْآنَ. فَلَمّا سَمِعُوا فَاضَتْ أَعْيُنُهُمْ مِنْ الدّمْعِ ثُمّ اسْتَجَابُوا لِلّهِ وَآمَنُوا بِهِ وَصَدّقُوهُ، وَعَرَفُوا مِنْهُ مَا كَانَ يُوصَفُ لَهُمْ فِي كِتَابِهِمْ مِنْ أَمْرِهِ.
فَلَمّا قَامُوا عَنْهُ اعْتَرَضَهُمْ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ،
فَقَالُوا لَهُمْ: خَيّبَكُمْ اللّهُ مِنْ رَكْبٍ بَعَثَكُمْ مَنْ وَرَاءَكُمْ مِنْ أَهْلِ دِينِكُمْ تَرْتَادُونَ لَهُمْ، لِتَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ الرّجُلِ فَلَمْ تَطْمَئِنّ مَجَالِسُكُمْ عِنْدَهُ حَتّى فَارَقْتُمْ دِينَكُمْ وَصَدّقْتُمُوهُ بِمَا قَالَ، مَا نَعْلَمُ رَكْبًا أَحْمَقَ مِنْكُمْ. أَوْ كَمَا قَالُوا.
فَقَالُوا لَهُمْ: سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نُجَاهِلُكُمْ لَنَا مَا نَحْنُ عَلَيْهِ، وَلَكُمْ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ، لَمْ نَأْلُ أَنْفُسَنَا خَيْرًا
وَيُقَالُ إنّ النّفَرَ مِنْ النّصَارَى مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ، فَاَللّهُ أَعْلَمُ أَيّ ذَلِكَ كَانَ. فَيُقَالُ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - فِيهِمْ نَزَلَتْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتُ (الّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنّا بِهِ إِنّهُ الْحَقّ مِنْ رَبّنَا إِنّا كُنّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (إلَى قَوْلِهِ (لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (.
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ: وَقَدْ سَأَلْت ابْنَ شِهَابٍ الزّهْرِيّ عَنْ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ فِيمَنْ أُنْزِلْنَ فَقَالَ لِي: مَا أَسْمَعُ مِنْ عُلَمَائِنَا أَنّهُنّ أُنْزِلْنَ فِي النّجَاشِيّ وَأَصْحَابِهِ. [1]
فهذا حوار بين النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وبين جماعة من النَصَارَى قدموا عليه بغية التعرف على صدق نبوته وحقيقة دعوته، فلما تبينوا صدقه سارعوا إلى تصديقه والإيمان به. ففي هذا الحوار
(1) ابن هشام: السيرة النبوية (1/ 392) . وهو من مراسيل ابن إسحاق وعنه أخرجه الحاكم في المستدرك والبيهقي في دلائل النبوة، وانظر الألباني دفاع عن الحديث النبوي ص16.