الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، وصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّم. أمَّا بَعْدُ ...
فقد شغلت قضية الحوار بين الأديان في الآونة الأخيرة جانبًا من اهتمامات الساسة والمفكرين والمثقفين، حيث عقدت برعاية دولية عديدٌ من المؤتمرات للحوار بين الأديان، واتخذت الدعوة أشكالا وأسماء متعددة، وأنشأت لها العديد من المراكز المتخصصة في أنحاء متفرقة من العالم.
وقد وجدت الدعوة قبولا وترحيبًا لدى بعض المسلمين باعتبارها ضرورة واقعية تقتضيها ظروف العصر، وتؤيدها نصوص الشرع، ويستدلون على ذلك بدعوة الإسلام إلى الجدل بالحسنى، وبما دار بين النبي (وأهل الكتاب والمشركين من حوارات، ويصلون من ذلك إلى القول بأن الإسلام بدعوته العالمية ورفضه للإكراه في الدين يتبنى أسلوب الحوار مع المخالف، وجعل هؤلاء المحصلة النهائية من الحوار التعايش السلمي وإرساء القيم المشتركة، والتعاون من أجل صلاح البشرية، والقضاء على الحروب [1] .
وعلى الطرف الآخر يقف عدد من الباحثين مطالبين بوقف هذه الحوارات بصورتها الراهنة بوصفها مهزلة لابد أن تنتهي وقناع يخفي وراءه رغبات دينية وأبعاد سياسية [2] كما تشكل أرهاصات أولية لإذابة الفوارق بين الأديان على المدى البعيد، مما يشكل تمهيدا لدعوة وحدة الأديان، كما يتساءل هؤلاء عن مدى إمكانية الحوار حول البنى الفوقية مع تجاهل الأسس والمنطلقات العقدية، وعن نتائج قرابة نصف قرن من الحوار الإسلامي/ المسيحي.
وبين هؤلاء وهؤلاء يتوسط طرفٌ آخر متحدثًا عن إمكانيةِ الحوار شريطة الالتزام بالأسس والضوابط الشرعية، هذا ما دفعني إلى قراءة متأنية لما ورد من حوارات للنبي (مع أهل الكتاب ذكرها القرآن الكريم أو ثبتت في السنة الصحيحة في محاولة للإجابة على أسئلة مُتَعَدِدَةٍ تَتَعَلَقُ بِالحِوَارِ محصلتها .. هَلْ نَقْبَلُ الحِوَارَ مَعَ الآخَرِ أم نَرْفُضُه؟ وما مَشْرُوعِيَةُ الجَدَلِ مَعَ أَهْلِ الْكِتَابِ وغَيْرِهِم؟ وما المَوْضُوْعَاتُ التِي يَنْبَغِي أنْ نَتَحَاوَرَ عَلَيْهَا؟
مَنْ نُحَاوِر؟ وَعَلَى أي شيءٍ نَتَحَاوَرُ؟ ومَا الغَايةُ مِنَ الحِوَارِ؟ يُحَاوِلُ هَذَا البَحْثُ أَنْ يَتَلَمَسَ إِجَابَة تلك الأسئلة مِنْ خِلالِ عَرِضِ وَتَحْلِيْلِ حوارات النبي (ِ مع أهل الكتاب.
تقوم خطة هذا البحث على تقسيمه إلى: مقدمة، وثلاثة مباحث وخاتمة
المقدمة عرضت فيها لموضوع البحث وأهميته، ثم قمت بالعرض والتحليل لنماذج من حوارات النبي (، وهي تمثل أصح ما وقفت عليه في هذا الباب. وذلك من خلال ثلاثة مباحث:
(1) ويتبنى هذا الرأي الأزهر الشريف بمصر حيث يعقد مؤتمر سنوي لحوار الأديان بين الأزهر والفاتيكان، (انظر: جريدة الأهرام المصرية السنة133 - العدد 4463، الأحد 22 فبراير 2009، ص8) .
(2) عن الأبعاد السياسية للحوار بين الأديان انظر: الأبعاد السياسية للحوار بين الأديان: الحوار الإسلامي المسيحي نموذجا لسامي رضوان أبو رمان. وعن حقيقة الدعوة ومساراتها انظر دعوة التقريب بين الأديان للدكتور أحمد عبد الرحمن بن عثمان القاضي، وانظر أيضا الحوار بين الأديان: أسراره وخفاياه للدكتور عبد الودود شلبي.