الصفحة 34 من 47

ومن تلك الأسئلة التي أتوا يسألون عنها متعنتين، السؤال عن الروح، فعن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم فِي خَرِبِ الْمَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ الْيَهُود. فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لاَ تَسْأَلُوهُ، لاَ يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ مَا الرُّوحُ فَسكَتَ فَقُلْتُ إِنَّهُ يُوحى إِلَيْهِ، فَقُمْتُ فَلَمَّا انْجَلَى عَنْهُ، فَقَالَ: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا ( [الإسراء آية:(85) ] [1] فلما نزلت هذه الآية الكريمة (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا ( [الإسراء آية:(85) ] قال الْيَهُود: أُوتِينَا عِلْمًا كَثِيرًا، أُوتِينَا التَّوْرَاةَ، وَمَنْ أُوتِيَ التَّوْرَاةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا. فأنزل اللَّهُ (( قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ ( [الكهف آية:(109) ] [2] . وفي إِجَابةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لأسئلةِ الْيَهُودِ إثباتٌ لنبوتهِ، وإزالة لما قد يطرأ على عقول بعض الناس من تشكيك في رسالته، لو لم يستطع إجابة الأسئلة التي يطرحها الْيَهُود عليهم، وقد كان النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم حريصًا كل الحرص على إجابة ما سألوه عنه؛ رغبة في إيمانهم وهدايتهم.

الحوار السادس

جدل في حكم الرجم

بدل الْيَهُود أحكام التَّوراة بأيديهم، ومن تلك الأحكام الأمر برجم من أحْصن منهم، فاصطلحوا فيما بينهم على الجلد مائة جلدة، والتحميم والإركاب على حمار مقلوبين. فلما وقعت تلك الحادثة بعد هجرة النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم قالوا فيما بينهم: تعالوا حتى نتحاكم إليه، فإنَّ حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه، واجعلوه حجة بينكم وبين الله، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم بينكم بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه في ذلك.

َ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ الْيَهُود جَاءُوا إِلَى النَّبِىِّصلى الله عليه وسلم فَذَكَرُوا لَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِصلى الله عليه وسلم: «مَا تَجِدُونَ فِى التَّوْرَاةِ مِنْ شَأْنِ الزِّنَا؟» .

فَقَالُوا: نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: كَذَبْتُمْ إِنَّ فِيهَا لَلرَّجْمَ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَجَعَلَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ، وَجَعَلَ يَقْرَأُ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا. فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلاَمٍ: ارْفَعْ

(1) أخرجه البخاري في صحيحه كتاب العلم، باب قول الله تعالى (وما أوتيتم من العلم إلا قليلًا) (1/ 270) (ح125) ، مسلم في صحيحه باب سؤال الْيَهُود النَّبِيّ صلى اله عليه وسلم عن الروح (17/ 136) .

(2) أخرجه أحمد في مسنده، مسند عبد الله بن العباس (4/ 155) (ح2309) ، والحاكم في المستدرك، باب تفسير سورة القدر (2/ 531) ، وقال هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، والترمذي وقال قال هذا حديث حسن صحيح، وصححه الشيخ الألباني كما في صحيح الترمذي (3/ 269) (ح 3140) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت