الصفحة 38 من 47

الحوار الثامن

دعوة إلى الإسلام

عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ (أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا نَحْنُ فِى الْمَسْجِدِ إِذْ خَرَجَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: «انْطَلِقُوا إِلَى يَهُودَ» . فَخَرَجْنَا مَعَهُ حَتَّى جِئْنَا إِلَى بَيْتِ الْمِدْرَاسِ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَنَادَاهُمْ فَقَالَ: «يَا مَعْشَرَ يَهُودَ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا» .قَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ.

فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ذَلِكَ أُرِيدُ أَسْلِمُوا تَسْلَمُوا» .

قَالُوا: قَدْ بَلَّغْتَ يَا أَبَا الْقَاسِم. فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «ذَلِكَ أُرِيدُ» . ثُمَّ قَالَهَا الثانية.

فقالوا: قد بلغت يا أبا القاسم ثُمَّ قَالَهَا الثَّالِثَةَ فَقَالَ: «اعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضَ لِلَّهِ وَِرَسُولِهِ وَإِنِّى أُرِيدُ أَنْ أُجْلِيَكُمْ، فَمَنْ وَجَدَ مِنْكُمْ شَيْئًا بمَالِهِ فَلْيَبِعْهُ، وَإِلاَّ فَاعْلَمُوا أَنَّ الأَرْضُ لِلَّهِ وِرَسُولِهِ» . [1]

فهذا حوار بين الرسول صلى الله عليه وسلم وبين يهود يدعوهم فيه إلى الاستجابة لأمر لله وإسلام الوجه له. وهو يدل على واجب الْمُسْلِمِينَ تجاه أَهْل الْكِتَابِ، وما ينبغي أن يحاوروهم فيه ويجادلوهم عليه، وهو دعوتهم إلى الإيمان بالله تعالى، وإخلاص العبادة له، والتبرؤ من كل ما يعبد من دونه (واتباع نبيه فيما أمر، وتصديقه فيما أخبر.

لم يدخر النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وسعًا في دعوةِ الْيَهُودِ إلى الاستجابةِ للحقِ والإقلاعِ عنِ الباطل، ِ كما تركَ لهم النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حرية العبادة، ولم يجبرهم على الدخول في الإسلام، وعاهدهم على ذلك، غير أنَّ الْيَهُودَ استغلوا تلك الرحمة والرأفة التي عاملهم بها نَبِيّ الرَّحْمَةِ صلى الله عليه وسلم في إثارة الفتن بين الْمُسْلِمِينَ، والتعاون مَعَ أعداء الدعوة الْإِسْلَامِيَّة، كلما سنحت لهم الفرصة بذلك، فضلا عن ذلك فقد حاولوا أكثرَ من مرةٍ قتلَ النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم.

فلما حاربوا رَسُولَ اللهِ ونَقَضُوا العَهْدَ وظَاهَرُوا أعداءَ الدَّعْوَةِ على قِتَالِه صلى الله عليه وسلم قرر أن يُطَهِرَ بِلادَهُ مِنْ هَذَا الدَّاءِ الذِي لا يَصْلُحُ مَعَهُ دَواء إلا الاستئصال، وقد أنذرهم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم وبلغهم الدعوة، وجَادَلَهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ، وأقامَ عَلَيْهم الحجةَ مِنْ كُتُبِهِم على صحةِ نبوته، وأجابَ لَهُم عمَّا سَألوهُ عَنْه ممَّا لا يَعْلَمُهُ إلا نَبِيُّ، غير أنَّهم أبوا إلا الجحود والإنكار، فأبلغهم النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث النبوي الشريف أنَّ حكمَ الأرضِ ومُلكَها للهِ، وأنَّه تعالى حكم فيهم بحكمه وأمر رسولَه بإخراجِهِم من جزيرة العرب.

لقد كان توحيد الجبهةِ الداخليةِ للدولةِ الْإِسْلَامِيَّةِ الفتيةِ، والقضاءِ على أعدائها المتربصينَ بِهَا مِنْ داخلها مِن أوجبِ الواجباتِ في تلك المرحلةِ من مراحلٍ الدعوةِ الْإِسْلَامِيَّةِ خاصة مَعَ حروب الدولةِ الناشئةِ التي تنتظرُها مَعَ الفرسِ والرومِ.

(1) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجزية والموادعة، باب إخراج الْيَهُود من جزيرة العرب (6/ 312) (ح 3167) ، مسلم مسلم في الجهاد والسير باب إجلاء الْيَهُود من الحجاز (12/ 90) أخرجه أحمد في مسنده، مسند أبي هريرة (15/ 512) (ح 9826) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت