بِالظَّالِمِينَ* قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فإنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( [الجمعة: 6 - 8]
فلما نكلوا عن المُبَاهَلَةِ علم كلُ أحدٍ أَنَّهم ظالمون؛ لأنَّهم لو كانوا جازمين بما هم فيه، لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا عُلِم كذبهم. وهذا كما دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نَجْرَان من النَصَارَى بعد قيام الحجة عليهم في المناظرة، كما سبق بيان ذلك.
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، قَال: َ َقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: لَوْ أَنَّ الْيَهُود تَمَنَّوُا الْمَوْتَ لَمَاتُوا، وَلَوْ خَرَجَ الَّذِينَ يُبَاهِلُونَ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم لَرَجَعُوا لاَ يَجِدُونَ أَهْلًا، وَلاَ مَالًا [1] .
لم يزد الْيَهُود كل هذا الجدل من النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم لهم، وكل هذه الحجج التي أقامها عليهم إلا جحودا وإنكارا، هذا الذي جعلهم ينكرون نزول الوحي على النَّبِيّ صلى الله عليه وسلم.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: «قالت الْيَهُود: يا محمد أنزل الله عليك كتابا.
قال: نعم. قالوا: والله ما أنزل الله من السماء كتابا. فأنزل الله: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ ( [الأنعام آية:(91) ] [2] . قال الله تعالى ردا عليهم:
(قُلْ مَنْ أَنزَلَ الكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِّلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا وَعُلِّمْتُم مَّا لَمْ تَعْلَمُوا أَنتُمْ وَلاَ آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذرها فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ ( [الأنعام آية:(91) ] .
والمعنى قل لهم يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ ملزمًا لَهُم بفسادِ قَولِهم: (مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُورًا وَهُدًى لِلنَّاسِ (يعني التوراة، (تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا (، أي: تكتبون عنه دفاتر تبدون بعضها وتخفون كثيرا منها، ولقد علمكم الله في هذا القرآن ما لم تعلموه أنتم ولا آباؤكم.
(قُلِ اللَّهُ (هذا جواب قوله (قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى (فإنَّ أجابوك يا محمد وإلا فقل أنت (الله (. أي: قل أنزله الله، (ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ (أي: ثم دعهم في جهلهم وضلالهم يلعبون، حتى يأتيهم اليقين من الله.
(1) أخرجه أحمد (4/ 98، 99) (ح 2225) ، النسائي في الكبرى (6/ 308) (11061) ،. مسند أبي يعلى (4/ 471) قال الهيثمي في مجمَعَ الزوائد، وقال رواه أحمد، وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
(2) أخرجه الطبري في التفسير (9/ 396) ، وابن أبي حاتم (ص 1324) (7595) ، وانظر، موسوعة الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور، حكمت بشير ياسين، (2/ 256) .